logo
رياض سيف النصر .. من يتستر على الفساد؟!

رياض سيف النصر .. من يتستر على الفساد؟!

 

ما بين الترحيب بالنتائج الرائعة التي حققتها هيئة الرقابة الإدارية في الأيام الأخيرة.. بالكشف عن العديد من قضايا الفساد، وتقديم المتهمين إلى القضاء، وبين التحفظ على الإعلان عبر وسائل الإعلام عن تلك القضايا، اختلفت الرؤى في تقييم السياسة، التي تتبعها الحكومة في التعامل مع قضايا الفساد.

وحتى لا يساء الفهم لا يوجد خلاف حول محاربة الفساد الذي يعتبره الكثيرون أخطر على الدولة من الإرهاب، على أساس أن الإرهاب واضح ومحدد، والحرب ضده علنية.. تحقق خلالها الدولة انتصارات عديدة، ستؤدي إلى القضاء عليه، بينما الفساد يعيش بيننا دون أن نكتشفه رغم إدراكنا آثاره المدمرة، والكشف عن العديد من خلاياه إلا أن اقتلاعه من الجذور يبدو بعيد المنال، ويتطلب تضافر المجتمع كله.. وليس إلقاء العبء على الحكومة وحدها، التي ثبت أنها غير قادرة على مواجهته.. إلا في حدود معينة، وبجهد المخلصين من العاملين بالجهات الرقابية.

المواجهة تتطلب سد كل الثغرات.. وإصدار قوانين تتضمن عقوبات رادعة وعدم التأخر في إصدار الأحكام التي تعاقب من يثبت ارتكابهم تلك الجرائم، ولا ننسى منظومة القيم الساندة في المجتمع، والتي أصبحت تقبل التعامل مع الفساد.. ودور المدارس والجامعات في إعداد أجيال جديدة، تحرم الفساد، ودور المؤسسات الدينية.. المسجد والكنيسة.. في تحريم تلك الجرائم.

إنما الخلاف في وجهات النظر، يقتصر على التناول الإعلامي لقضايا الفساد، فبينما يرى بعض المسئولين في إدارة الدولة، أن التوسع في الإعلان عن شبكات الفساد التي تكتشف، والوسائل التي تتبع في تكديس الأموال الحرام لدى من يرتكبونها و«تجريس» من يقدمون على ارتكاب تلك الجرائم، خير وسيلة لمحاربة الفساد.. والحد من انتشاره وجعله عبرة لكل من يفكر في ارتكاب جرائم مماثلة.

والإعلام عن قضايا الفساد ليس هدفًا في حد ذاته.. وإنما مجرد وسيلة للإعلان عن يقظة أجهزة الدولة وإصرارها على مطاردة من يرتكبون تلك الجرائم، بما يقود إلى ردعهم ودفعهم للتفكير مرات عديدة قبل ارتكابها، وأن تلك الجرائم لن تمر دون عقاب رادع، كما أن التوسع في النشر يبصر المواطنين بالأساليب المتبعة في تلك القضايا، ويحذرهم في الوقت نفسه من مغبة الاشتراك في تلك الجرائم، ولو بالتستر عليها.

أما أصحاب الرأي الآخر من المتحفظين على التوسع في النشر، فيبررون تحفظهم بأنه سيؤدي إلى حدوث فجوة بين المواطنين الذين يفتقدون أن الفساد «يعشش» في أجهزة الدولة، وما يكشف عنه جانب ضئيل.. وغالبًا يقتصر على صغار المسئولين.. أما كبارهم ففي مأمن دائم، ويتحصنون بسلطاتهم في تغطية جرائمهم، والحكومة التي يبدو أنها لا تواجه الفساد بالجدية المطلوبة.

والمبرر الثاني الذي يقدمه غير المرحبين بالتوسع في نشر قضايا الفساد، يرجع إلى آثاره في تخويف المستثمرين من إقامة مشروعاتهم في مصر، بينما الدولة تقدم لهم مزايا عديدة لتجذبهم إلى الاستثمار وإقناعهم بأن الأوضاع مهيأة تمامًا، بينما يحبط النشر تلك الجهود، بالتوسع في الحديث عن الفساد كما حدث في الأيام الأخيرة.

وأصحاب تلك الآراء يتجاهلون، أن الحديث عن الفساد لم يبدأ في الأيام الأخيرة، عقب الكشف عن قضية الرشوة الكبري التي تم الإعلان عنها، وتقديم المتهم الذي يشغل منصب مدير إدارة المشتريات بمجلس الدولة إلى القضاء إنما أبعد من ذلك بكثير.. فقد أصبح الفساد متجذرًا في مؤسسات الدولة، ويتحدث عنه معظم المسئولين بدءًا من رئيس الدولة إلى الوزراء والمحافظين ورؤساء المؤسسات، ويلمسه المواطن البسيط في كل تعاملاته اليومية.

وليس صحيحًا أن الكشف عن تلك القضايا، سيؤدي إلى فقدان ثقة المواطنين في الحكومة، العكس هو الصحيح فالإعلان عنها يؤكد أن الحكومة لا تحمي الفاسدين.. ولا تتستر على الفساد.

وليس صحيحًا أن الإعلان عن تلك القضايا، سيؤدي إلى عزوف المستثمرين عن إقامة مشروعاتهم، بل إنه سيزيل من طريقهم أساليب الابتزاز التي يمارسها صغار الموظفين وكبارهم، لتعطيل تلك المشروعات، والحصول على رشاوى مقابل الإفراج عن التصاريح اللازمة.


إن تلك المخاوف التي يعبر عنها بعض المسئولين تزيد من فرص تغول الفساد وانتشاره لا مواجهته والحد من شروره.

فيتو