logo
ربع الكويتيين «مزوّرون» ... وماذا بعد؟

ربع الكويتيين «مزوّرون» ... وماذا بعد؟

د. حمد العصيدان

ما أفرزته جلسة مجلس الأمة يوم الثلاثاء الماضي من تداعيات، تشكل تهديداً خطيرا للكيان الكويتي الواحد الذي طالما تغنت الحكومة ومجلس الأمة بضرورة الحفاظ عليه وتعزيز لحمة النسيج الاجتماعي للكويت. ولكن ما يجري لا يعكس بصورة من الصور ذلك الأمر، ما يدفعنا لإطلاق إشارات تنبيه لخطر ما نحن عليه من واقع، وسط منطقة يحرق التفرق والتشرذم البلاد والعباد.

فلطالما دعا صاحب السمو إلى المحافظة على كيان الكويت، وحمايتها من امتداد لهب الأحداث المحيطة بها إلى الداخل، مشددا سموه على أن السبيل الأمثل لذلك هو تحصين الوحدة الوطنية وتماسك المجتمع ليكون ذلك مناعة ذاتية لأي تأثير خارجي. ولكن واقع الحال يقول إن العبث بالوحدة الوطنية ونسيج المجتمع يجري في أقوى صوره حالياً.

ففي الجلسة التي كانت تناقش تعديل قانون المحكمة الإدارية لإتاحة الفرصة لمن سحبت جنسيته حق التظلم على ذلك أمام القضاء، رأينا التباين في الرؤى واختلاف المواقف وتوزيع الاتهامات، في صورة لا تعكس أبدا الأهداف التي رفعت عن المحافظة على وحدة المجتمع. وبعيدا عن نتيجة التصويت التي جاءت لمصلحة رفض التعديل، فإن ما تضمنته الجلسة، وما تلاها ينذر باضطراب قد تشهده الساحة المحلية بشكل كبير. فرئيس مجلس الأمة كشف، لدى مداخلته على القانون، أن هناك زيادة غير طبيعية في نمو الكويت التي كبرت 11 مرة خلال سنوات، كاشفاً عن أن تعداد السكان الذي يبلغ حاليا 1.3 مليون مواطن، يفترض أن يكون ـ وفق النمو الطبيعي ـ بحدود 900 ألف فقط، ما يعني أن هناك 400 ألف مواطن يحملون الجنسية بغير وجه حق، وهو ما يمثل نحو ربع سكان الكويت «23.7 في المئة». وطالب بالتركيز على «تنظيف ملف الجنسية قبل الحديث عن تعديل قانون المحكمة الإدارية».

ما كشفه الغانم، وما أسفر عنه التصويت على القانون، كانت لهما تداعيات كبيرة، فقد ارتفعت الأصوات لمناقشة القضية وكشف المزورين، حيث أعد عدد من النواب طلباً برلمانياً لتكليف لجنة الداخلية والدفاع البرلمانية بالتحقيق في ما أثاره الغانم، فيما كانت هناك طلبات أخرى لتكليف وزارة الداخلية بالاضطلاع بدورها في هذا الملف الخطير. وجرى ما جرى من تراشق بعيد عن روح الوحدة الوطنية على مواقع التواصل التي بدأت تشكل مصدر قلق وخطر حقيقيين على الواقع الاجتماعي، بين مؤيدين للكشف عن المزورين وتنظيف ملف الجنسية منهم، ومحذرين من تداعيات خطيرة لهذه القضية، ولاسيما في هذه الظروف الحساسة التي تعصف بها رياح الخلاف والعصبية والفئوية بعدد من الدول العربية الشقيقة القريبة منا والبعيدة عنا.

القضية تطرح عدداً من الأسئلة التي يجب التعاطي معها بكل جدية بعيدا عن الانفعالات: في حال ثبتت التهم، هل الكويت مستعدة لتداعيات الكشف عن حقيقة 400 ألف مزور للجنسية؟ وماذا بعد الكشف عن أولئك المزورين؟ هل ستقوم الحكومة بطردهم من الكويت أم أنها ستحيل ملفاتهم إلى الجهاز المركزي للبدون؟ مع أن هذا الأخير رفض التعاطي مع ملفات من سحبت جنسياتهم أخيرا، كونهم ليسوا ممن ينطبق عليهم واقع البدون، حسب ما أفاد به بعض الناس.

إذن الأمر ليس بالسهولة التي يصورها البعض في حديثه عن كشف المزورين، بأن تتخلى بلد وبجرة قلم عن ربع مواطنيها، تسحب جنسياتهم وتجردهم من امتيازاتهم وكل ما اكتسبوه من حياتهم السابقة ككويتيين. ثم إن للأمر بعدا آخر يغيب عن ذهن الكثيرين، وهو موقف الكويت كدولة من المجتمع الدولي الذي سيكون له موقف تجاه القضية، وهو موقف بلا شك لن يصب في مصلحة الإجراء الحكومي. فلتتوقف الحملات التحريضية ومناوشات الفضاء الإلكتروني وحروب وسائل التواصل، وليترك الأمر لذوي الخبرة والقرار الذين سيكون لهم رأي يصب أولا وأخيرا في مصلحة الكويت ومواطنيها.

ومن التداعيات الأخرى لجلسة الثلاثاء، الاستجواب الثلاثي الذي قدم لسمو رئيس مجلس الوزراء، في اليوم التالي للجلسة على خلفية نتيجة التصويت، واستجواب آخر ثنائي للرئيس كذلك، يفترض أن يقدم أمس الأحد بعد كتابة المقال، بمحاور مختلفة. وبعيدا عن الخوض في تفاصيل المحاور ومدى استحقاقها، فإن هذين الاستجوابين سيلقيان بمزيد من الأجواء الرمادية على الساحة السياسية، وسيعقدان الموقف، وسيكون لهما تداعيات في اعتقادي أنها ستكون غير جيدة. وكل ذلك يزيد الطين بلة للواقع الاجتماعي والسياسي في الكويت. نسأل الله أن يحفظ الكويت وأهلها.

إقرأ أيضاً