logo
جزر تيران.. في ملفات الصراع

جزر تيران.. في ملفات الصراع

يقول الجنرال ديان، في مذكراته «الطريق إلى حرب السويس»: إنه خطط بدعم من «بن غوريون» لاحتلال سيناء لثلاثة أسباب: القضاء على الفدائيين المنطلقين من غزة بتدريب ورعاية من المخابرات المصرية، وتحطيم الجيش المصري الذي تسلّم أسلحة من الاتحاد السوفيتي قبل أن يستوعب هذه الأسلحة، والوصول إلى جزر تيران والسيطرة على شرم الشيخ والانطلاق البحري إلى أفريقيا وآسيا، ووفق الخطة، بالتواطؤ مع بريطانيا وفرنسا، احتل الجيش الإسرائيلي كل سيناء والمضائق في آخر أكتوبر 1956.

ظلت إسرائيل في سيناء وغزة حتى منتصف عام 1957، وانسحبت بعد اتفاق مع الولايات المتحدة، تم التوصل إليه ثنائيا، وشاركت فيه الأمم المتحدة، التي قررت إرسال قوات دولية للإشراف على الانسحاب ومراقبة الوضع، وأُعلنت هذه الترتيبات في أول أيام شهر مارس 1957، حيث أعلنت غولدا مائير من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة أن إسرائيل ستنسحب إلى حدودها السابقة وفق الاتفاق مع الولايات المتحدة بإبقاء مضيق تيران مفتوحا للملاحة البحرية الدولية، بما فيها سفن إسرائيل، وأن إسرائيل حرة في اتخاذ الإجراء المناسب إذا تم التعرض لحقها في الملاحة في المضيق، بعدها مباشرة أعلن مندوب أميركا الدائم في الأمم المتحدة، السفير كابوت لودج، بأن الولايات المتحدة تلتزم بهذا الاتفاق وتضمنه، قرأت شخصيا هذا الاتفاق في محاضر الجمعية العامة للأمم المتحدة في مارس1957.

كان ذلك أمام الجمعية العامة بحضور جميع الدول ومنها مصر، وجاء الانسحاب وفق الخطة وهدأت الأوضاع من ذلك الوقت حتى مايو 1967، عندما قرر الرئيس عبدالناصر سحب القوات الدولية، ولم يكن الرئيس المصري يريد المواجهة، بل لم يتوقعها، وسار نحو الحل كما جاء في قراره إرسال نائبه، محي الدين، إلى واشنطن، لكن حكومة إسرائيل لم تعد مهتمة بالحل السلمي، الذي كان سيرفع مكانة الرئيس المصري زعيما متحديا أزال آثار حرب 1956، فانتصرت بسرعة لأن الحتمية في الحرب لم تكن في الحسبان رغم التظاهرة السياسية والإعلامية.

ويعود مهندس حروب سيناء الجنرال ديان، إلى صدارة المؤثرين في مستقبل سيناء وتيران، ويفاوض الرئيس السادات ويتحقق حلم إسرائيل في اتفاقية سلام مع مصر وفتح المضيق إلى الأبد.

وباتفاق السلام مع مصر لم تعد تلك الجزر بذات الأهمية الإستراتيجية، فصارت العلاقات بين البلدين تخضع لشروط اتفاقية السلام، وتخلصت مصر من مشكلة مؤرقة، لا سيما بعد أن صادق الرئيس عبدالفتاح السيسي على قرار البرلمان المصري، وصارت عودة الجزر إلى الرعاية السعودية بعد أن تبدلت ظروف اتفاق التسهيلات، الذي تم بين الملك عبدالعزيز والحكومة المصرية.

ارتاحت مصر من مصدر عوار لم يعد له مبرر، وإذا كانت هناك أصوات معارضة فلا لوم عليها، لأنها تربت على أن تيران وتوابعها جزر مصرية، حيث لم يوضع اتفاق التسهيلات السعودية المصرية في الإطار التاريخي، الذي يتناسب مع طبيعة الاتفاق، وإنما تلاشى وسط الأعاصير الإعلامية التي غرست في ذهن الجماهير أن تيران جزر مصرية بشرعية تاريخية، ولهذا فإن حكومة الرئيس السيسي واجهت التحديات المعارضة، واللوم يقع على الحكومات السابقة، فلم يتم التعامل مع حقائق الجزر وبما ينسجم مع واقع الرعاية.
لكن تيران وتوابعها لن تختفي من قصص التاريخ، فسيبقى البحث عن الملفات التي تحمل الحقائق عن معارك السويس في 1956، للوقوف على المسببات التي مكنت إسرائيل من الوصول إلى القناة، بالسهولة التي رافقتها في حملة السويس، وكذلك عن حقائق معاملة الأسرى المصريين الذين تم التخلص منهم بصورة وحشية مازالت ملفاتها مخزنة في عالم الأسرار، ولا ينحصر ذلك في حملة السويس، وإنما يتناول ملفات حرب 1967 التي لم ينكشف منها ما يساعد لمعرفة دوافع القرارات المتتابعة، التي اتخذها الرئيس عبدالناصر بشكل متلاحق، وفيها الكثير من الارتجالية، التي لم تترك فرصة للتوقف عند مسؤوليات مصر تجاه الاتفاق الأميركي ــ الإسرائيلي، الذي تم في أول مارس 1957، وفيه وضوح أن الإغلاق يعني الحرب المؤيدة من الولايات المتحدة، لأن ذلك الاتفاق يعطي الحرية التامة لإسرائيل في التصرف مع واقع الإغلاق، ويترك لها المعالجة بالأسلوب الدبلوماسي أو بالقوة المدعومة سياسيا وقانونيا بالتزامات أميركية.

والعجيب أن ملفات حرب 1967 التي قرأناها لا تجد فيها ما يجدد ذاكرة مصر حول هذا الاتفاق الثنائي وأبعاده في ضوء القرارات المصرية المثيرة.
أتذكر أنني أثرت الموضوع مع بعض الكتاب المصريين، الذين لم يطلعوا على هذا الواقع، ولم تقترب منه الصحافة المصرية آنذاك رغم خطورته على الأمن القومي المصري.
والآن نشيد بأداء الرئيس السيسي لهذا الموضوع الذي صار من قضايا التاريخ.

عبدالله بشارة

إقرأ أيضاً