logo
«نساء المتعة».. دعارة لـ«دواع أمنية»

«نساء المتعة».. دعارة لـ«دواع أمنية»

صنفها المؤرخون ضمن أبشع الجرائم الإنسانية التي مارستها القوى الفاشية المتوحشة عبر التاريخ على أيدى اليابانيين، فخلال الحرب العالمية الثانية أقبلت طوكيو على استغلال الدول التي احتلتها وسخرتها لخدمة أغراضها العسكرية، والعمل على إرضاء حاجات جنودها خلال المعارك، ولكن أكبر جرائمها التي لا تزال تعانى من ورائها تمثلت في تخصيص بعض النساء من الدول المسيطرة عليها لخدمة الجنود، وأطلق عليهن «نساء المتعة».

وتواصلت آثار الجريمة اليابانية رغم مرور عشرات السنوات عليها، نظرًا للعدد الهائل من النساء اللاتى خضعن لاستغلال جنسي، فوصلت أعدادهن إلى قرابة 200 ألف سيدة، وتنوعت جنسياتهن بين “الصين وكوريا وتايلاند والفلبين وفيتنام وسنغافورة وإندونيسيا”، بعد جمعهن من قراهن الفقيرة المدمرة باستخدام القوة والتعذيب، لإخضاعهن للأوامر العليا الراغبة في تسخيرهن في عمل البغاء.


الإشراف على ممارسة البغاء
لم تترك مسألة البغاء بشكل عشوائى للجنود، بل وضعت لها حكومة اليابان أسسًا ونظمًا لها، تضمن عمليات توزيع الفتيات على كل الجنود والإشراف بشكل صارم على عملهن، مع الحرص على وجود إشراف طبى يمنع تفشى الأمراض بين الجنود، وتمثل الهدف النهائى من تنظيم عملية البغاء للجنود، رفع روحهم المعنوية وتشجيعهم على شن الحروب بكامل الرغبة والرضا وإشباع شهواتهم، لضمان عدم وجود أي معوقات أمامهم.

مع مرور الأيام وترك الجريمة آثارًا صعبة النسيان لدى أسر ضحايا العنف والاستغلال الجنسي، شعرت اليابان بحجم الكارثة التي مارستها بحق الأبرياء، وأعلنت في عام 1993 اعتذارًا رسميًا عن التصرفات السابقة لحكومات لم تعرف سوى لغة العنف والدماء، وعبرت عن كامل أسفها لأسر الفتيات اللاتى تشردن وفقدن معانى الإنسانية، ولكن سرعان ما تنكرت حكومات تالية من الجريمة، فجاء على لسان رئيس وزراء اليابان عام 2007 شينزو آبي، أنه «لا دليل» يثبت تورط اليابان في إجبار الفتيات على البغاء.


اتفاقية سرية برعاية أمريكا
أما في السنوات الأخيرة ومع تصاعد أزمة كوريا الشمالية وتهديدها العالمي، وقعت كوريا الجنوبية واليابان اتفاقية من عدة بنود تنظم التعامل بين البلدين فيما يخص مسألة «نساء المتعة»، ليتكشف مؤخرًا في تقرير سرى مسرب أن أمريكا أشرفت على اتفاق سري جرى بين سول وطوكيو لطى صفحة هؤلاء النسوة، وحشد الجهد لمواجهة الخطر المحدق بالعالم من جهة بيونج يانج، وهدف أيضًا لسعى حكومة كوريا الجنوبية على إقناع المنظمات النسائية النشطة والمهتمة بتلك القضية على نسيانها وتجاهل فكرة إنشاء تماثيل لهن استهدفت التعبير عن حجم القسوة التي واجهتها الفتيات.

وحصلت اليابان آنذاك على وعود بعدم الإقبال على بناء أي تماثيل تشير إلى تلك الفترة والتوقف عن دعم القضية، إضافة إلى تجنيب كوريا الجنوبية استخدام عبارة «ضحايا الاستعباد الجنسي» واستبدالها بمسمى «ضحايا نساء المتعة للجيش الياباني»، وبيّن التقرير أيضًًا أن كوريا الجنوبية تواصلت مع أهالي الضحايا وأبلغتهم ببنود وهمية حول الاتفاق مع إخفاء نقاط أخرى قد تثير غضب هؤلاء الأهالي، ولكن كل ذلك لم ينجح في خداعهم وأعلنوا رفضهم قيمة تعويض بلغ “بليون ين ياباني” وفشلت محاولات إقناعهم.

وبحسب التقرير فإن التدخل الأمريكى جاء لكسر حالة من الفتور في العلاقات بين كوريا الجنوبية واليابان، وأصبحت تمثل عبئًا على المصالح الأمريكية في شرق آسيا، وخاصة في قضية العداء المستمر منذ عقود مع كوريا الشمالية، لذلك شكلت فريقا مكونا من مسئولين حكوميين وبعض الخبراء في التاريخ والشئون الآسيوية، للإشراف على إتمام ذلك الاتفاق، وإتمامه بما يحقق المصالح الأمريكية.


تسجل الجريمة في اليونسكو
وبالنسبة للصين، حاولت مؤخرا دفع اليابان للتعاون معها في ملف إدراج الوثائق الخاصة بالقضية في سجل «اليونسكو»، لكن طوكيو واجهت المسألة بعنف شديد وصل إلى التهديد بالامتناع عن تسديد رسوم عضوية المنظمة الأممية في حال أقبلت على تلك الخطوة، التي أكدت الصين خلال عدة مناسبات أنها تهدف لتسجيل فداحة ووحشية الحروب والعدوان في الذاكرة التاريخية للعالم، لمنع تكرار المآسى الأخرى الشبيهة.

وفى الفلبين وقعت عدة تظاهرات على مدى السنوات الأخيرة للتنديد بالمحاولات الحكومية لتجاهل ملف «نساء المتعة»، تمثلت في تظاهرات واعتصامات نظمتها نساء الفلبين من ضحايا تلك الجريمة، في مانيلا لمطالبة الإمبراطور اليابانى الزائر أكيهيتو بالعدالة، بالإضافة إلى الاعتراض على الاتفاقات العسكرية التي أجرتها الفلبين مع اليابان، فقالت النساء خلال التظاهرات: «لا للتحالف العسكري الفلبينى الياباني» و«لا لجيل آخر من نساء المتعة» و«لا تستدرجونا إلى حرب»، وطالبن باعتذار رسمى وتعويضات لأسر الضحايا.

أشهر ضحايا الجيش الياباني
ومن أشهر ضحايا «نساء المتعة» سيدة من كوريا الجنوبية تدعى «ها سانج سوك»، توفيت منذ شهور بعد الإصابة بتعفن الدم، وظلت خلال أيامها الأخيرة تحارب المرض الذي أودى بحياتها عن عُمر يناهز الـ 89 عاما، ويحكى أقاربها أنها ولدت في مدينة «سو سان» بوسط كوريا الجنوبية في عام 1928، وتم اختطافها من بين أهلها عام 1944 لتعمل في البغاء بسن السادسة عشرة من عمرها، ولم تتمكن من العودة إلى بلادها عقب استقلال كوريا عن اليابان وظلت في الصين لمدة ستة عقود، حتى عادت لوطنها عام 2003.

وبعد عودتها لكوريا الجنوبية اهتمت «سوك» بقضية الاستعباد الجنسى ونظمت عدة تظاهرات دورية أقيمت أسبوعيا أمام السفارة اليابانية في سيول، تطالب بمحاكمة كل من تورط في تلك الجريمة ومحاسبته على الخسائر النفسية التي تسبب فيها.


والعام الجارى شهد وفاة آخر امرأة صينية أجبرت على العمل في بيوت الدعارة للقوات اليابانية، عن عمر ناهز الـ 90 عاما، في قرية بيدوى بمقاطعة هيانان الصينية، خلال انتظارها لأى اعتذار أو رد اعتبار من جانب الحكومة اليابانية.

وبدأت قصة هوانج يانج، بحسب صحيفة «ديلى ميل»، في أواخر عام 1941، عندما تعرضت للاغتصاب في سن الخامسة عشرة، عندما غزت القوات اليابانية قريتها، وتم نقلها إلى بيت للدعارة؛ لإجبارها على قضاء الليالى مع الجنود اليابانيين، واستمرت على ذلك الوضع لمدة عامين، ولكن 9 سيدات صينيات من ضمنهن “هوانج”، قررن مقاضاة الحكومة اليابانية في 2001؛ للمطالبة برد الاعتبار، ولكن المحاكم اليابانية رفضت قبول الدعوى، بحجة أن الأفراد ليس لهم الحق في مقاضاة الدولة.

وصدر فيلم العام الماضى تحت عنوان «عودة الأرواح إلى الوطن» يرصد معاناة النساء الكوريات اللاتى عانين من الاستعباد الجنسي، ولاقى نجاحا منقطع النظير، فبيعت نحو 300 ألف تذكرة في أول أيام عرضه، بينما وصل إجمالى حضور الفيلم داخل دور العرض قرابة المليون.