logo
«يرونا ولا نراهم»: هكذا تعمل «البكتيريا الصديقة» في صمت

«يرونا ولا نراهم»: هكذا تعمل «البكتيريا الصديقة» في صمت



كتبت – ناهد سمير

ورش عمل كثيرة، ينهمك خلالها الباحثون الطبيون، في العمل على البكتيريا، التي هي في الأساس المُسبب الرئيسي في الأمراض الميكروبية المعدية، وذلك سعيًا منهم لتوظيف البكتيريا في معالجة أنواع مختلفة من الأمراض والاضطرابات الصحية والنفسية في بعض الأحيان.

تشكل البكتيريا الضارة خطورة كبيرة للإنسان لأنها تسبب أمراضًا كثيرة بعضها خطير مثل: الكوليرا، والسيلان، والجذام، والالتهاب الرئوي، والزهري، والدرن الرئوي، حمى التيفوئيد، والسعال الديكي، والتهاب البلعوم، والالتهاب السحائي، والتهاب العظام، وتسمم الدم، والتسمم الغذائي، والتيفوس، والجمرة، حمى الأرانب، والحمى الروماتزمية، والحمى القرمزية، وغيرها من الأمراض

حيث تدخل البكتيريا إلى الجسم عن طريق الفتحات الطبيعية، مثل فتحة الأنف، أو الفم أو عبر شقوق في الجلد. وإضافة لذلك يحمل الهواء والطعام والماء. البكتيريا من شخص لآخر. وتمنع البكتيريا الضارة الجسم من أداء وظيفته كما ينبغي عن طريق تحطيم الخلايا السليمة.

كما أن بعض أنواع البكتيريا تُنتج سمومًا تسبب أمراضًا مثل: الدفتريا، والحمى القرمزية والكزاز. تُنتج السموم من بكتريا حية، وتفرز بعض السموم الأخرى بعد موت البكتريا فقط، وتسبب سموم البكتريا نوعًا من أنواع التسمم الغذائي يسمى «التسمم الوشيقي» في الأطعمة المعلبة بطريقة غير جيدة. ويمكن أن تسبب البكتيريا المتعايشة في جسم الإنسان المرض عندما تقل مقاومة الإنسان له. على سبيل المثال إذا كان تكاثر البكتيريا في الحلق أسرع من قدرة الجسم على التخلص منها، فمن المحتمل أن يصاب الشخص بإلتهاب في الحلق.

وعملًا بقول «داوني بالتي كانت هي الدواء» أقدم الكثير من الباحثين على مستوى العالم على نشر أبحاث، وتقديم دراسات طبية حديثة عن البكتيريا الصديقة وهي «مغذيات تحتوي بعض أنواع البكتيريا الحية أو الخمائر أو البكتريا النافعة أو البكتريا الصديقة كما يحلو للبعض تسميتها و التي يعتقد أنها ذات فوائد صحية للإنسان». وهكذا الحديث عن مدى أهميتها وكيفية الاستفادة منها، لقدرتها على خلق توازن داخل جسم الإنسان، بصفتها وسيلة طبية لمعالجة الأمراض والاضطرابات الصحية. ومن هذه الدراسات والأبحاث على سبيل المثال: ما نشره الباحثون من كلية "جونز هوبكنز للطب"، عن نتائج دراستهم الخاصة بالعلاقة بين حالة مرضى انفصام الشخصية، أو الشيزوفرينيا، وبين إضافة البكتيريا الصديقة للطعام، كما في لبن الزبادي، في معالجة الالتهابات الفطرية واضطرابات الجهاز الهضمي لديهم. وهو ما نُشر في عدد الأول من مايو 2017، من مجلة "الدماغ والسلوك والمناعة" - Brain، Behavior، and Immunity.

حيث لاحظ الباحثون أن هذا السلوك الغذائي لم يخفف فقط من تلك الاضطرابات في عمل الجهاز الهضمي، والتهابات الفطريات، بل تجاوزه إلى خفض وتيرة حصول الهلوسات والأوهام، وبخاصة لدى من لا يعانون منها. وهو ما علق عليه الباحثون بالقول: إنه يُعزز الأدلة المتنامية التي تربط بين العقل وبكتيريا الأمعاء، وإن تناول تلك الأطعمة المحتوية على البكتيريا الصديقة قد يكون وسيلة سهلة وغير مكلفة لتخفيف أعراض مرضى انفصام الشخصية.

كما طرح الباحثون من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة ضمن عدد 26 أبريل العام الماضي من مجلة مايكروبيوم - Microbiome العلمية، نتائج دراستهم للتأثيرات الإيجابية للبكتيريا التي تستوطن الأمعاء بشكل سلمي في تخفيف حدة المعاناة لدى المرضى المصابين بمرض «متلازمة التعب المزمن» Chronic Fatigue Syndrome.

تأثير إيجابي..

بكتيريا «البروبيوتيك» هي متممات غذائية من البكتيريا الحية أو الخمائر، يُعتقد أنها صحية للكائن المَضيف، بحسب التعريف المعتمد حاليًا من منظمة الأغذية والزراعة، ومنظمة الصحة العالمية. وهي الأكثر انتشارًا حيث تتواجد في اللبن والأطعمة المخمرة الأخرى، وتساعد سلالات مختلفة منها المصابين بالإسهال، ويمكن أن تساعد الأشخاص الذين لا يستطيعون هضم سكر اللاكتوز الموجود في الحليب.

أما «البيفيدو بكتريا»، وهي نوع من أنواع البكتيريا الصديقة أيضًا، فيمكن أيضا العثور عليها في بعض منتجات الألبان، وتساعد في تخفيف أعراض متلازمة القولون العصبي.

وفي محاولة جادة لتقديم أول مكمل غذائي مصري من البكتيريا الصديقة، عمل طوال 4 سنوات، فريق من الباحثين في مصر، بقسم البحوث الطبية، بجامعة هليوبوليس على البكتيريا الصديقة، وعن تلك التجربة تقول د. جيهان رابح، مديرة المشروع بقسم البحوث الطبية بالجامعة لـ «المصري اليوم»: عندما يتعلق الأمر بالبكتيريا، يعتقد الناس أنها شيء ضار، ولكن جسم الإنسان هو عبارة عن نظام معقد يحتوي على ملايين البكتيريا وغيرها من الكائنات الدقيقة.

بصوت تعززه ثقة من سار طريق طويل تملؤه بالصعوبات حتى وصل لما يرجوه، تقول د. جيهان: منذ 4 سنوات، أعمل مع فريقي، الذي يضم كل من د. فكرية محمد، مسؤول المعمل وباحثة، وأ. أحمد إسماعيل، رئيس قسم الأبحاث، و«ناس كتير كانت بتيجي علينا وتروح، كانوا بيشاركوا في أمور بعينها فقط"، وما قمنا به كفريق هو عزل البكتيريا الصديقة من براز الأطفال الرضع، الكاملين النمو، وبالفعل قمنا بزرعها داخل بيئة مناسبة للزراعة، والتكاثر، لتحديد نوعها، حتى نتمكن من الوصول إلى نتيجة تقودنا لتقديم منتج أطلقنا عليه اسم (بيوسيد)، وهو عبارة عن مكمل غذائي مصري، يمكن للإنسان استخدامه.

«للبكتيريا الصديقة أنواع كثيرة، داخل جسم الإنسان بشكل متوازن، ولها تأثيرات على الجهاز الهضمي، والتفاعلات الكيميائية» لذا كان ولا يزال هدفنا من العمل على هذا النوع من البكتيريا، هو مواجهة المشاكل التي تقابل المصريين، والتي يتسبب في غالبيتها المضادات الحيوية، التي تقلل توازن هذا النوع من البكتيريا داخل الجسم.. هكذا أوضحت د. جيهان حديثها عن البكتيريا الصديقة للإنسان.

عُزِلت منهم وتعود إليهم

يُميز المكمل الغذائي، الذي قمنا بإنتاجه عن غيره من المكملات المستوردة المطروحة في السوق، أن «البكتيريا الصديقة التي نعمل عليها مصرية بحتة، وتم عزلها من مصريين، حتى يمكنها إفادتهم إفادة كاملة، حيث عُزلِت منهم، وتعود إليهم، وتتوافق مع طبيعة أجسامهم» هكذا قالت د. هبة ناصر، خريجة كلية صيدلة جامعة القاهرة، وحاصلة على ماجستير ودكتوراه في الميكروبيولوجي، وتعمل مدرس في كلية الصيدلة بجامعة هليوبوليس، وضمن فريق العمل مع د. جيهان بالجامعة

«نحن المكان الوحيد الذي يقيم شراكة بين الباحثين، ورواد صناعة الأدوية، وفي قسم الميكروبيولوجي، نُعلِم البكتيريا الصديقة لطلاب قسم الصيدلة في جامعة بجامعة هليوبوليس، ونخبرهم بأهميتها، وهو أمر موجود في مناهج كليات الصيدلة المختلفة ولكننا نقدمه بشكل مختلف، خاصة عندما وصلنا لكيفية تنمية البكتيريا الصديقة، ليزداد عددها، فنتمكن من استخدامها كمكمل غذائي».. بحسب قول د. هبة ناصر.

لحظة الوصول..

للمرة الأولى في مصر سيتم طرح «البكتيريا الصديقة للإنسان، في السوق الدوائي المصري، وهو ما أعدّه قسم البحوث الطبية بجامعة هليوبوليس للتنمية المستدامة، وسيتم طرحه كمُكمِل غذائي بالجرعات الموصى بها للكبار والأطفال.

بوجه تُزينه السعادة، وصوت ممزوج بكثير من الراحة، تروي د. جيهان: عن شعورها وفريق العمل في القسم، عقب وصولهم معًا للنتيجة النهائية بعد أبحاث كثيرة يعجزون عن إحصاء عددها «قدمنا الورق لمعهد التغذية، ومستنيّن إنه يتسجل ودي هتبقى الفرحة الأكبر».

واجهت فريق العمل بالقسم، خلال أبحاثهم طوال تلك السنوات، الكثير من الصعوبات ومنها على سبيل المثال: شعورهم بالضيق من عدم الوصول إلى نتيجة خلال العمل على البكتيريا الصديقة، خاصة أن ذلك بالنسبة لهم فقد للوقت والمجهود، ولكنهم طالما قاوموا ذلك، بتعزيز ثقتهم مرارًا وتكرارًا، «كباحث لازم يبقى في صبر، وطول بال، لو حاجة فشلت نجرب تاني، بطريقة تانية، لأن لازم يبقى في حل.. هكذا تحدثت د. جيهان، عن مقاومة الصعوبات داخل القسم».

تكاليف إضافية..

واستمرًا للحديث عن الصعوبات تضيف د. هبة ناصر، تتطلب الأبحاث تكلفة مادية كبيرة، ولابد أن نحصل على البكتيريا من طفل مصري ولد ولادة طبيعية، ووالدته لم تتناول أي مضادات حيوية لمدة 3 شهور قبل الولادة. إضافة إلى عزل البكتيريا، والوسائط الملائمة لنموها، خاصة أن ليست كل أنواع البكتيريا تنمو في البيئة ذاتها، إضافة إلى توفير الغذاء الخاص بها، لأنها بكتيريا حية وتأكل مثلنا، الأمر الذي يتطلب الكثير من المال لشراء الكيماويات التي تنمو عليها البكتيريا الصديقة.

و لخروج الشكل الصناعي، نحتاج إلى جهاز مُخصص تكلفته المادية تزيد عن مليون جنيه، وكلما كبر حجم الإنتاج ارتفعت التكلفة. إضافة إلى عملية التعبئة، التي يجب أن تتم بشكل محترف لنحافظ على البكتيريا، حتى لا يحدث رطوبة عالية، لذا نضعها في بيئات مناسبة، وهي تحديات نواجهها في صناعة أي دواء.

تُنهي د. هبة حديثها بقولها، من الضروري أيضًا أن يصبح طعم المنتج مقبول، لأننا نتعامل مع باكتيريا، لذا نضطر لوضع مكسبات طعم، أو إضافات، وكنا نُجرِب ذلك، وهو أمر طبيعي في المكملات الغذائية، ولكنه لا يصلح مع الأدوية، لذا كان علينا أن نصل لمواصفات صيدلانية مقبولة.

وبالطبع هناك تخوفات من بعض الأطباء، من اختفاء الأدوية، وتحول البكتيريا الصديقة لبديل لها، ولكن هذا غير صحيح، لذا على جميع الأطراف الجلوس معًا، وهنا اقصد بالتحديد الأطباء، والصيادلة، والقائمين على صناعة الأدوية، ليعرف الجميع ما هي الأمراض التي يمكن للبكتيريا أن تصبح جزءًا منها كمكمل غذائي، والأمراض التي تحتاج فقط للأدوية، لأن البكتيريا الصديقة للإنسان ليست سحر كما يتخيل البعض، ولكنها مكمل يحتاج إلى التجريب، ومتابعة من يتناولها لنعرف عنها الكثير، ونحصل على إحصائيات تمكننا من الاستمرار. خاصة إنها تعالج أمراض صارت ظاهرة بوضوح في مجتمعنا كالسمنة، والاكتئاب، اللذان نعالجهم حتى الآن بالأدوية التقليدية.

بدائل محلية لمواجهة التحديات الاقتصادية

تكمن أهمية المنتج في كونه قادرًا على منافسة نظيره المستورد في السوق الدوائي من حيث المفعول والجودة، كما أكدت الطبيبة مديرة المشروع أن إنتاج بدائل محلية بجودة تستحق الثقة وبأسعار في متناول الجميع سيساعد بالتأكيد في حل التحديات الاقتصادية الراهنة.

خاصة أن سوق الدواء المصري يواجه حاليًا ظروفًا وصعوبات بعد انخفاض قيمة العملة المحلية، كارتفاع أسعار الأدوية المتاحة، ونقص غيرها المستوردة. وأن هذا التحدي يكشف عن الأهمية القصوى لتبني البحث العلمي وتطبيق نتائجه المعتمدة، مما سيدفع إلى المزيد من الصناعات الدوائية الوطنية.

هذا التقرير نشر كجزء من مشاركة الكاتب في ورشة الصحافة العلمية «الكتابة في المجال العلمي» التي نظمها معهد جوته و DAAD مصر، والمدعومة من وزارة الخارجية الألمانية.