logo
د / محمد رفعت خطاب .. مطلوب أب خبرة!

د / محمد رفعت خطاب .. مطلوب أب خبرة!

يبقى حلم الرزق بالأبناء هو الأغلى والأهم لكل الشباب، ولما لا وقد وصفهم الله في كتابه العزيز بزينة الحياة الدنيا، هذا الحلم الجميل الذي يبدأ في التكوين منذ مرحلة المراهقة ومع أول علاقة عاطفية لكل شاب وفتاة لدرجة تصل إلى اختيار أسماء الأطفال والاتفاق عليها، بل وتحديد المدارس والجامعات والكثير غير ذَلِك..

لكن حينما تأتي نقطة البداية في علاقة ناضجة جادة تنتهي بالزواج، ينبغي عَلِى كل من يحلم به أن يكون مستعدا له تماما قبل أن يشرع في تحقيقه!

لنذهب معا إلى ما نرتكبه في حق أولادنا دون قصد أو عمد، أسرد معكم تفاصيل الخطيئة الكبرى التي نرتكبها في حق أولادنا، فامتلاك المال فقط غير كافي لشراء سيارة دون احتراف أو إجادة للقيادة والحصول على رخصة بعد اختبار، وهنا نجد أن قرار الإنجاب هو أرخص القرارات وأقلها مشقة ومعاناة، بل في بعض الأحيان عدم الصبر على حكمة الواهب الرزاق جل علاه في تأخير الاستجابة لتنفيذ القرار عند البعض.. 

وأكثرنا حكمة يربط هذا القرار باستقرار الحالة المادية وغيرهم ينجبون بلا حساب مستندين على حقيقة أن الرزاق هو الله، وهي حقيقة لا تقبل الشك لكن المال لم ولن يكن العامل الوحيد لاتخاذ القرار في موضوع يتعلق باستمرار الحياة (الإنجاب)!

حتى لا نهرب من واقع نعيشه، أكاد الجزم أن أحدا منا لم يفكر في معطيات قرار الإنجاب والواقع الأكثر ألما، أن نفرا منا لم يفكر في معطيات قرار الزواج، فالزواج شركة لها مدير واحد حسب مجتمعنا الشرقي، مسئول عن التمويل والتخطيط وإدارة أمور الحياة ومهارة مشورة شركاء الحياة وتأهيلهم لتحمل المسئولية، وهو المسئول عن اتخاذ القرارات المصيرية وتحمل مسئوليتها، إنه الأب، ولعل أول وأهم قرار مصيري في هذه الشركة هو حسن اختيار شريكة الحياة وأم الأبناء، وإذا كانت المؤهلات والخبرة المطلوبة لمن يشغل وظيفة مدير شركة لا بد أن تكون كبيرة وفريدة فإن إدارة أسرة تحتاج أكثر من ذلك بكثير لمن يديرها!

أعلم علم اليقين أن الأمر ليس باليسير فوفقًا للإحصاءات والبيانات الرسمية، في عام ٢٠١٧، فإن حالة طلاق واحدة تحدث كل 4 دقائق، ومجمل الحالات على مستوى اليوم الواحد تتجاوز 250 حالة، لا تزيد مدة الزواج في بعض الحالات أكثر من عدة ساعات بعد عقد القران، إذ تشهد محاكم الأسرة طوابير طويلة من السيدات المتزوجات والراغبات في اتخاذ القرار الصعب في حياتهن، بلجوئهن إلى المحكمة المتخصصة في الأحوال الشخصية.

‎تلك الزيادة التي تهدد مئات الآلاف من الأسر والزيجات في مصر، رصدتها الأمم المتحدة في إحصاءات أكدت فيها أن نسب الطلاق ارتفعت في مصر من 7 % إلى 40 % خلال نصف القرن الماضي، ليصل إجمالي المطلقات في مصر إلى 4 ملايين مطلقة، في مقابل 9 ملايين طفل من أبناء الأزواج المطلقة، والرقم مرشح للزيادة، وتتصدر مصر المرتبة الأولى عالميا كأكثر بلدان العالم في الطلاق!

والشاهد أن الأجيال القديمة من آبائنا وأجدادنا، اعتمدوا على الفطرة السليمة في اختيار شركاء حياتهم ومن ثم تربية أبنائهم وهو ما لا يمكن الاعتماد عليه الآن، فالفطرة أصبحت ملوثة، وكثير من الآباء بحاجة إلى استكمال تربيتهم وفاقد الشيء لا يعطيه وكل إناء بِمَا فيه ينضح، والأبناء في كثير من الأحيان هم انعكاس لآبائهم، بما يحمله هَذَا المعنى حرفيا والأبناء امتداد طبيعيا لنا ولذريتنا في هذه الحياة، وحسن تربيتهم يتطلب حسن تربيتنا، فالسلوك العدواني والعنف والغضب في المنزل من شأنه أن ينتج طفلا عدوانيا عنيفا، ثم مراهق متمرد عنيد والعكس صحيح، ولذلك إنتاج الأبناء يبدأ من اليوم الأول من حيث اختيار المواد الخام عالية الجودة من حيث الدين وما تبعه من أخلاق وصفات حميدة والأم هي المادة الخام الأساسية الفعالة لهذا المنتج! 

ولأنه ليس من المنطقي أن نجد أبا خبرة إلا لو كان أرملا أو مطلقا وقد تكون خبرته سلبية، فإنه من الضروري أن يكون من بيت خبرة، وهي دعوة لكل فتاة ومن قبلها كل أب وأم لديهم فتاة على وشك الارتباط، فتشوا عن بيوت الخبرة خلف من يتقدم للارتباط ببناتكم.. 

الزواج مشروع كبير يستحق الفحص والتمحيص، ولا يمكن اختزاله في مجرد علاقة عاطفية ونهاية طبيعية، فليس كل العلاقات العاطفية تصلح لأن تنتهي بالزواج وإن لم يأتِ من يريد الزواج بابنتكم من بيت خبرة، تجدوا فيه كبيرا يحترمه ويقدر له الحسابات في كل تصرفاته، بيت لا يعرف عنه التجاوز والغضب والعنف، بيت يسوده الحب وتغلبه المودة والرحمة، بيت يحترم فيه الصغير الكبير ويعطف فيه الكبير على الصغير، بيت لا يقبل بغير الحق والعدل والإنصاف بديلا، بيت تجدوا فيه القيم والمبادئ دستور عمل وعقيدة حياة، بيت يحكمه شرع الله وعندما يتحدث ربه يستمع له الجميع بإنصات، هنا فقط مصنع الأب الخبرة!

وللشباب أقول: الصدق مع النفس أهم شيء وإن لم تتوافر الشروط التي ذكرتها سلفا في بيوتكم فاعلموا أنها لا تعد بيوت خبرة وعليكم أن تفتشوا في مُحيطكم القريب والبعيد عن مثل هذه البيوت وتقتربوا من ربانها وتطلبوا النصيحة وتأخذوا المشورة في كل مرحلة من مراحل حياتكم. 

بهذا فقط اطمئنوا على مستقبل غير مشوه وفطرة سليمة وعقيدة صحيحة وأطفال سوية وشباب تتقي الله في المستقبل القريب، وأخير اللهم احفظ أبناءنا من كل مكروه وسوء واصلح أعمالنا واهدي نفوسنا واجعلنا من المتقين!