logo
"هيعدموك يا بابا".. سطر أخير في حكاية طفلة ساعدت أبيها لقتل أمها بالهرم

"هيعدموك يا بابا".. سطر أخير في حكاية طفلة ساعدت أبيها لقتل أمها بالهرم

"برشامة مزاج" ربما هي القشة التي أسقطت مُدمنها في قبضة رجال الأمن ليس في اتهامات تتعلق بالتعاطي، ولكن لتورطه في جريمة قتل لم تتكشف معالمها سوى بعد إقباله على بيع مقتنيات زوجته -التي طلقها قبل 3 أشهر- لإشباع رغباته في شراء المخدرات لكنه لم يسقط بمفرده، إذ ألقي القبض على ابنته القاصر التي تقمصت دور "المساعد" في تنفيذ الجريمة والتخلص من الجثة.

منذ نحو 13 عاما، أخبر "محمد" زوجته "ياسمين" أنه لا بد من ترك مسقط رأسهما بمحافظة الأقصر بحثا عن فرصة عمل بعد تراجع نسبة الإشغال السياحي بالمحافظة التي تضم ثلث آثار العالم، ورحلا إلى "أرض المحروسة" أملا في غد أفضل.

بمرور السنوات، رُزق الزوجان بثلاث بنات أكبرهن "لؤلؤة" أصيبت بمرض أفقدها القدرة على الحركة، وأصغرهن "بسمة" كانت بمثابة ملاك الرحمة للأسرة، بينما كانت "فيروز" مثارًا للجدل باستمرار بسبب تصرفاتها الطائشة التي أوقعتها في مشكلات كثيرة.

تنقل "محمد" بين مهن عدة، حتى استقر به الحال كفرد أمن إداري في كومباوند شهير بمنطقة التجمع الخامس، بينما تعمل الزوجة في محل كوافير، تخرج في الصباح وتعود في وقت متأخر من الليل؛ بحثا عن توفير مصروفات بناتها الدراسية، إذ ألحقتهن بمدارس تجريبية رغبة في ضمان مستوى تعليمي جيد لهن.

طوال السنوات الماضية، حاولت صاحبة الـ33 سنة الحفاظ على ألا ينفرط عقد الأسرة، متجاهلة أفعال زوجها غير المبررة، وإنفاقه راتبه الشهري على شراء المواد المخدرة غير عابئ بمصروفات المنزل وتلبية احتياجات بناته بل راح يحمل لقب "عاطل" بترك وظيفته ملقيا بالحمل على زوجته.

مشادات تطورت أحيانا لمناوشات وتراشق بالألفاظ بين الزوجين كانت "فيروز" كلمة السر فيها؛ بسبب تصرفاتها التي وُصِفت بالمتحررة، إذ أنها ترتدي ملابس غير لائقة، وتعود إلى المنزل في وقت متأخر من الليل مستغلة تواجد والدتها في عملها، فضلا عن مرافقتها لعض الشباب بمنطقة سكنها وتسببها في مشاجرات بينهم، حسب الجيران، وكانت الأم تتهم الأب دائما أنه "مدلعها".

في أحد أيام شهر رمضان الكريم الماضي، ضاقت الأرض على "ياسمين" بما رحبت، لم تعد تقوى على تحمل حياتها بهذه الطريقة، لتطلب الطلاق من زوجها، الذي رفض بشدة بدعوى تربية البنات، إلا أنه امتثل لطلبها بعد إصرارها، واتفقا على السماح له بالاطمئنان على بناته من حين لآخر، خاصة أنها استأجرت شقة بشارع المطبعة بمنطقة كوم بكار بالهرم مقابل 800 جنيه شهريًا.

مع خروج الزوج صاحب الـ44 سنة من حياة الأم وبناتها الثلاث، حاولت "ياسمين" تقويم سلوكيات ابنتها "فيروز"، الطالبة بالمرحلة الإعدادية، خاصة مع تلقيها شكوى من إدارة المدرسة باتهامها بسرقة متعلقات أحد أعضاء هيئة التدريس، وبدأت تمنعها من المصروف تارة، والخروج من المنزل أخرى إلا أن ذلك لم يجدِ نفعا.

ثالث أيام العيد، انهمكت "ياسمين" في العمل بمحل الكوافير، لكن على غير العادة، أخبرتها إحدى زميلاتها بحضور ابنتها، أسرعت الأم للخارج، فوجدت "فيروز" بملابس ممزقة والدموع تغالب مقلتيها "إلحقيني يا ماما"، لتتلقى الأم صاعقة من السماء "أنا قولت لك خلي بالك من نفسك.. الدنيا بقت وحشة".

مساء الأربعاء قبل الماضي، حضر "محمد" لزيارة بناته والاطمئنان عليهن أثناء تواجد طليقته بالعمل، ومع عودتها غادر مصطحبا ابنته "فيروز" لتبادل الحديث معها حتى نهاية الشارع حيث موقف السيارات، لكن ذات الـ14 سنة تأخرت في العودة لتحظى بوصلة من اللوم والعتاب انتهت بتعدي والدتها عليها ودخولها في حالة إعياء.

لم تدر الابنة ماذا تفعل، وأخرجت هاتفها واتصلت بوالدها "تعالى بسرعة ماما مش بتنطق، كانت بضربتني علشان بوصلك"، ليعود "محمد" إلى منزل طليقته للوقوف على ملابسات ما دار بينها و"فيروز".

طوال 4 أيام متتالية، اشتمت "شيماء" روائح كريهة من الطابق الأرضي بالعقار ملكها، تزامنا مع اختفاء جارتها "ياسمين" على غير العادة، وتردد بعض الأشخاص على شقتها ينقلون بعض أثاث المنزل لتطلب من أحد أقاربها تقمش دور شخص يبحث عن شاشة تلفاز، لكنه أخبرها بانبعاث رائحة لا تحتمل.

وقررت شيماء طرق باب شقة جارتها للوقوف على ملابسات الأمر، وتحصيل القيمة الإيجارية المستحقة، إلا أنها فوجئت بطليقها رغم علمها بأنهما منفصلان، وحال سؤاله حاول الفرار من الشقة، فاستغاثت بقاطني العقار للإمساك به وإغلاق الباب الرئيسي لمنع هروبه.

الحادية عشرة صباح الأحد قبل الماضي، كان العقيد عادل أبو سريع، مأمور قسم شرطة الهرم، يتفقد الخدمات داخل أروقة القسم، ويراجع سجلات المحاضر لليلة البارحة، ليتلقى إشارة عبر جهاز اللاسلكي من شرطة النجدة بانبعاث رائحة كريهة من داخل شقة بعقار بمنطقة كوم بكار.

في غضون دقائق معدودة، وصلت قوة من المباحث بقيادة المقدم محمد الصغير، ومعاوناه الرائد هاني عجلان والنقيب مصطفى لاشين، ليجدوا الأهالي متجمعين أمام العقار محل البلاغ، تستنجد بهم "شيماء" قائلة: "إلحقونا في مصيبة جوا".

مع دخول القوات للشقة الخالية من الأثاث، كان الجميع على موعد مع مفاجأة من العيار الثقيل، إذ عُثر على جثة "ياسمين" داخل حقيبة سفر ملفوفة ببطانية داخل أكياس بلاستيك بغرفة النوم، ولا يوجد بها ثمة إصابات ظاهرية وعلامات القلق تبدو على طليقها الذي كان يتصبب عرقا.

مع خروج الجيران، بدأ رجال المباحث في سماع أقوال بنات المجني عليها (لؤلؤة 15 سنة، فيروز 14 سنة، نسمة 5 سنوات)، لتؤكد إحداهن أن والدهن أخبرهن بأن "ماما كانت بتاكل معانا وزورت ماتت.. بس منقولش لحد"، بينما بدت "فيروز" متماسكة بعض الشئ عن شقيقتيها.

منذ وصوله، أيقن النقيب مصطفى لاشين أن الجريمة أسرية بالدرجة الأولى خاصة مع سلامة منافذ الشقة، واصطحب الأب إلى أحد أركان الشقة لاستجوابه، الذي لم يستطع التنصل من فعلته، مؤكدا أنه فجر يوم 8 الجاري تلقى اتصالا من ابنته "فيروز" أخبرته أن والدتها في حالة إعياء فحضر واستغل تواجد أنجاله خارج غرفتها، ووضع فوطة على فمها حتى تأكد من وفاتها، وأخبر باقي بناته بوفاة والدتهما متأثرة بمرضها ولا يمكنهم الإبلاغ خشية مسائلتهم قانونياً.

وحسب التحريات الأمنية، ساعدت "فيروز" والدها أثناء كتم أنفاس والدتها بالإضافة إلى عملية إخفاء الجثة داخل حقيبة سفر ولفها ببطانية، وكتمان السر.

أمام العميد أسامة عبد الفتاح، رئيس مباحث غرب الجيزة، أقر المتهم ببيع أثاث الشقة والأجهزة الكهربائية؛ استعدادًا للهرب وترك الجثة، إلا أن مالكة الشقة وقاطني العقار تمكنوا من ضبطه لتودعه ابنته: "البوليس هياخدك ويعدموك يا بابا" وسط بكاء الابنة الكبرى.