logo
 د/ محمد سيد احمد .. قمع ثورات الربيع الأوروبي في فرنسا !

د/ محمد سيد احمد .. قمع ثورات الربيع الأوروبي في فرنسا !

لا بد من التأكيد في البداية أن ما تشهده فرنسا اليوم من احتجاجات "السترات الصفراء" هو تطور جديد لما يطلق عليه الثورات الملونة أو الربيع الزائف، وهى ثورات مدروسة ومعد لها سلفا من أجل تحقيق الفوضى داخل القطر الذي تحدث فيه، لكن نتائجها في النهاية تصب لصالح مجتمع آخر، وهي طريقة استحدثتها الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع القرن الحادى والعشرين بديلا عن المواجهات العسكرية المباشرة، في إطار ما يعرف بالجيل الرابع للحروب، وذلك لتحقيق مصالحها في مواجهة أي مجتمع يحاول مناوئة سياساتها الامبريالية الجديدة، أو الخروج على النهج المرسوم له من قبل صانع القرار في واشنطن.

والثورات الملونة أو الربيع الزائف كما اتفق على تعريفه هو احتجاجات سلمية وحركات مطلبية أو عصيان مدنى يحدث في بعض الدول، وعادة ما يستخدم المشاركون في هذه الاحتجاجات أعلاما أو رايات أو أوشحة بلون معين رافعين شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، في مواجهة حكومات بلادهم مطالبين بإسقاط النظام.. 

ومن أبرز الثورات الملونة التي شهدها القرن الواحد والعشرون تلك الثورات التي انفجرت في مجموعة الدول الشيوعية التي كانت في الماضي القريب ضمن الاتحاد السوفيتي، ولا يخفى على أحد أن هذه الدول كانت مناوئة للغرب الرأسمالي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك وجب تقليم أظافرها، وعقابها كمقدمة للسيطرة عليها وفرض الهيمنة الأمريكية على حكامها الجدد، لتنفيذ الاجندة الامبريالية عبر السياسات الرأسمالية التي تقترحها صندوق النقد الدولى.

ومن أبرز الثورات الملونة التي رفعت شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية الثورة الوردية في جورجيا عام 2003، والثورة البرتقالية في أوكرانيا 2004، وثورة التوليب أو الخزامى في قيرغيزيا عام 2005، وفى نفس العام انتقلت هذه الثورات الملونة إلى لبنان، في أعقاب اغتيال رئيس وزرائها رفيق الحريرى، فخرجت التظاهرات للشارع اللبنانى تحت شعار ثورة الأرز، ومن لبنان إلى ميانمار في عام 2007 تحت مسمى ثورة الزعفران.. 

ثم انتقلت إلى التيبيت في 2008 تحت مسمى الثورة القرمزية، ثم عادت مرة أخرى إلى الشارع العربي مع نهاية العام 2010 وبداية العام 2011 وبشكل موسع في عدة دول كان أولها تونس تحت مسمى ثورة الياسمين ومنها إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا فأطلق عليها ثورات الربيع العربي المزعوم.

وبالطبع لم تحدث هذه الثورات بشكل عفوى وبنفس السيناريو تقريبا في كل دولة، بل كان هناك مدبر ومخطط واحد لهذه الثورات الملونة أو الربيع المزيف وهو الولايات المتحدة الأمريكية المستفيد الوحيد والأوحد من كل ما حدث، وإذا كانت الثورات المزعومة السابقة كلها يحاول العدو الأمريكى أن يضع نفسه بعيدا عنها، فإن السياسة الأمريكية الجديدة وعبر رئيسها الفج ترامب لم يعد يخفى الدور الأمريكى المدبر والمخطط لهذه الثورات.. 

والجديد في الثورات الملونة التي تنطلق اليوم في فرنسا وتنتقل عدواها سريعا إلى بلجيكا، ومن المرشح أن تعم دول الاتحاد الأوروبي أنها تتم مع الحلفاء الذين كانوا شركاء في دعم السياسة الإمبريالية الأمريكية ضد المجتمعات المناوئة لهذه السياسات، والذين كانوا يصفون في الأمس القريب ما يحدث بأنه ثورات حقيقية، وقواعد الديمقراطية تقول إن على حكام هذه المجتمعات أن ينصاعوا إليها وينفذوا مطالبها.

فرنسا أحد أهم شركاء الولايات المتحدة الأمريكية وأحد الدول الداعمة للديمقراطية الغربية المزعومة، كانت دائما في صدارة الدول الداعمة للثورات الملونة وكان قادتها السياسيون يتصدرون وسائل الإعلام العالمية دفاعا عن المشاركين في الاحتجاجات السلمية والحركات المطلبية أو العصيان المدنى وكانوا يصفون الحكومات بالدكتاتورية ويطالبون الحكام الذين يتصدون لهذه الحركات بالرحيل لعجزهم عن تلبية مطالب الثوار، ومواجهة الاحتجاجات بالعنف..

اليوم فرنسا تشرب من نفس الكأس، حيث انطلقت موجة الربيع الأوروبي من الأرض الفرنسية، وبنفس الأسلوب وبنفس الطريقة وبنفس التكتيكات.

حركة احتجاجية منظمة ترتدى السترات الصفراء وتنطلق في طول وعرض البلاد بمشاركة ما يقرب من 300 ألف متظاهر سلمى، ومن قلب العاصمة باريس ومن أهم شوارعها الشانزليزيه يقف ما يقرب من 30 ألف متظاهر، معترضين على رفع أسعار المحروقات وعلى الضرائب الجديدة، فتقوم قوات الأمن بتفريقهم بالغاز المسيل للدموع، ثم تتطور الأحداث فيتم استخدام الرصاص الحى فيسقط الضحايا ما بين قتيل وجريح كانوا في اليوم الأول قتيلان و97 جريحا بينهم 17 مصابا في حالة حرجة.. 

هذا إلى جانب حملة واسعة من الاعتقالات وصلت إلى 1132 معتقلا فتطورت هتافات الثوار إلى "ارحل يا ماكرون" و"الثورة مستمرة ".

وفى هذا المشهد الدراماتيكى يطل علينا الرئيس الأمريكى ترامب وعبر تغريداته الشهيرة على موقع التواصل الاجتماعى تويتر، ليؤكد "أن الاحتجاجات الفرنسية الكبيرة والعنيفة لا تأخذ في حسبانها كيف كان التعامل سيئا مع الولايات المتحدة من قبل الاتحاد الأوروبي بالنسبة للتجارة والثمن المعقول للحماية العسكرية العظيمة التي نوفرها، هذان الموضوعان يجب معالجتهما قريبا".. 

وفي اليوم التالى مباشرة لهذه التغريدة يطلق أخرى تقول "أن أوروبا عليها أن تدفع حصة عادلة من أجل حمايتها العسكرية، فالاتحاد الأوروبي استغلنا لسنوات طويلة على صعيد التجارة، وبعدها لا يقدمون التزاماتهم العسكرية عبر الناتو، الأمور يجب أن تتغير سريعا".. 

ما يتعرض له الاتحاد الأوروبي الشريك والحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة هو نفس الكأس الذي شربت منه قبل قليل تركيا وقطر والسعودية نفس التهديدات الصريحة، رغم أن الجميع شارك في تخريب وتدمير مجتمعاتنا العربية بحجة الربيع العربي المزعوم.

والسؤال الآن متى يفيق حكامنا وإعلامنا الوطنى الذي سوق للثورات الملونة دون محاولة كشفها، ولماذا لم نسمع حتى الآن أي إدانة للقمع الفرنسي لثورة السترات الصفراء السلمية، أم أنه حلال لهم حرام علينا، ليس تشفيا لكن من تجرعنا من كأسه المرارة لابد أن يذوقها يوما، اللهم بلغت اللهم فاشهد.