logo
حسين متولى .. إسقاط شعار "تحريات بالتظبيط ونفقات بالتنقيط"

حسين متولى .. إسقاط شعار "تحريات بالتظبيط ونفقات بالتنقيط"

تكفي كتابة اسمي على مقال كهذا ليمنحني "شيخ الحارة" بقسم شرطة دائرة سكني لقب "صحفي كبير"، ويزعم أن دخلي يصل لعشرات الآلاف من الجنيهات. وقتها؛ ربما لن تفلح شهادة رئيس التحرير أمام محكمة أسرة الهرم في إقناع القاضي بأن كتاب مقالات الرأي لدى "فيتو" أو غيرها من المؤسسات الصحفية؛ لا يتلقون أجرًا عنها.

واقع المحاكم، وطبقا للقانون، يؤكد بالضرورة نظرية يروجها مترددون على ساحاتها؛ مفادها أن "التقاضي به غالب ومغلوب"، كما يتغامزون بأن "تحريات النفقات بالتظبيط"، وأن سدادها لمستحقيها؛ الأطفال والأم، يمكن أن يتم "بالتنقيط"، بالقانون نفسه.

وحقيقة الأمر؛ لا يمكن اعتماد تصور دقيق لأداء منظومة تقاضي خاصة بالأحوال الشخصية وحقوق أطراف الأسرة، بعيدًا عن قانون منضبط لا ينتصر لطرف مسبقًا أو يحقق "مكتسبات" لآخر، وتغيب العدالة بنصوصه، كما لم تشهد منظومة تقاضي مشابهة نموذجًا للدد الخصومة ومزايدة على التشريع والحقوق معًا، مثلما يسمح القانون الحالى في مصر بذلك، وحينما يفكر المشرع في التعامل مع سوءاته يكتفى بترقيع تشريعات عقابية تجرم "الممتنع" عن أداء النفقة فقط، حتى دون إيضاح يتيح للقاضي التمييز بين الممتنع والمتعثر عند تطبيق القانون، وفي كل الأحوال تصبح عملية تنفيذ الأحكام القضائية المتعلقة بالنفقات معضلة تحتاج لحل، كما أكد رئيس الجمهورية.

فوضى التشريع وتعديلاته عبر أزمنة حكم متعاقبة، تضع غير المتعقلين في خصومة مع القضاء دون تفكير منهم فيما يرتكبه المشرع؛ فمهمة القاضي تطبيق القانون وفقط، وجميعنا لا ينسى خروج الشعب المصري مرتين خلال العقد الأخير لنصرة مواقف قضاة مصر واستقلالهم في مواجهة نظامي مبارك والإخوان بهتاف شهير: "إن في مصر قضاة.. لا يخشون إلا الله".

وللأسف، تتوافر سوء النوايا لدى كثيرين ممن تعرضوا للأزمة بحلول قاصرة منقوصة استهدفوا معها إبقاء الحال على ما هو عليه؛ كى يظلوا مستفيدين من مشكلات أسر خربت بيوتها، امتلأت جيوبهم من أسباب تشرد أفرادها، كما لم يحرك وزير العدل، بمسؤوليته السياسية، ساكنًا تجاه أوضاع سيئة تفاقمت لدى المتقاضين داخل محاكم تابعة لإدارته.

جزء من تصورات لحلول قاطعة بشأن قضايا النفقات، إنشاء نظام قاضي التحقيق داخل محاكم الأسرة، تبدأ معه الأم مباشرة الشكوى ضد الأب الممتنع عن أداء النفقة لها وأطفالها، في إطار تشريع جديد للرعاية المشتركة والمعايشة لأطفال الشقاق، توضع من خلاله حقوق الطفل بيد القاضي وليس الطرف الحاضن، وهو نظام يتيح مباشرة قاضي التحقيق نفسه لدعوى النفقة لصالح الطفل ضد الأب الممتنع، دون أن تكلف إجراءات التقاضي الأم الشاكية جنيهًا واحدًا. وهو مقترح تعارضه "محاميات ناشطات" لأن أتعاب القضايا لا نصيب للمحامين هنا فيها، كما يجعل الدولة خصمًا مباشرًا للأب الممتنع عن أداء حقوق الطفل.

وتشمل المقترحات الإيجابية تمكين الصغير وليس للطرف الحاضن من مسكن ملائم يحل عليه الأبوان ضيفين طيلة سنوات طفولته طبقا لقواعد الرعاية المشتركة والمعايشة، ونظر كافة أنواع النفقات أمام قاضٍ واحد في دعوى قضائية واحدة دون سماح النظام القضائي بتعدد دوائر التقاضي أسبوعيًّا، وهي مسألة لا ترهق القضاة والمتقاضين ولا تسمح لمنتفعين بالقفز على حقوق المخربة بيوتهم بفعل الطلاق.

جانب من هذه التصورات يتجه نحو إنشاء ما يشبه "هيئة المحلفين" المساعدين الفنيين للقضاة في دعاوى النفقات، مهمتهم تحقيق التحري الدقيق عن مصادر دخل وممتلكات الأب عبر الرقم القومى له، لدى كافة الجهات الحكومية ذات القدرة على إتاحة ومنح معلومات في أسرع وقت، وهي مسألة سهلة عبر التطوير التقني لاستخدام قواعد معلومات وبيانات المواطنين لدى أجهزة الدولة، مثل الشهر العقاري والسجل التجاري ومصلحة الشركات والبنوك ومصلحة الضرائب والإدارة العامة للمرور والمصالح الحكومية وغيرها، هذه الجهات كافة يسهل بتعاونها وإلزامها بأوامر قضائية تحقيق تحر دقيق وسريع لا يستغرق أياما عن معدلات ومصادر دخل كل مواطن ونقل صورة حقيقية عن مستواه الاقتصادي والمادي.

وفى كل الأحوال، يمكن تقدير الحد الأدنى لنفقات الصغير طبقًا لمستوى خط الفقر المصري الذي يحدد معه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء معدلات احتياج الفرد لانتظام وسلامة حياته وأنشطته، وتقفز تقديرات المشرع لاستحقاقات الصغير طبقًا لقياس مستوى دخل أبيه؛ ما يتيح تقنين نسب محددة مستقطعة من مجموع دخله بحسب جدول استرشادي يوضح للقضاة كيفية احتساب النفقات لأبناء الشرائح الاجتماعية المتفاوتة مستوياتها.

الأمر يحتاج جهودًا مؤسسية تستفيد معها الدولة في إصلاح سريع لنظامها الضريبي، وربط الرقم القومى والرقم التأميني برقم ضريبي خاص لكل مواطن؛ بما يسهم في احتساب أفضل لشريحته الضريبية على أساس مجموع دخله السنوي على اختلاف مصادره.

هنا، لن تشكو الدولة تهرب أصحاب المهن الحرة من سداد الضرائب عن دخولهم الحقيقية بعد تحديدها بصورة أوقع؛ فلا محام يحرر له مواطن توكيلًا قضائيًّا دون ذكر لقيمة الأتعاب المتفق عليها به، ولا جراحة أو كشف طبي على فرد بعيادة خاصة دون روشتة مسلسلة مسددة ضريبتها إلكترونيًّا أو بنظام لا يسمح بتقدير جزافي لاستقطاع الضريبة عن عائدها، ولا سلعة دون فاتورة لها مصدرها المعلوم المسجل تجاريًّا وضريبيًّا، وبذلك يمكن أن تتفاوت تقديرات النفقة المستحقة على الأب سنويًّا طبقًا لإقرارات وتحريات صحيحة تدققها الدولة بعيدًا عن تحريات "شيخ الحارة".

الأمر كذلك؛ سيخدم بالضرورة مسألة ضرورة اتجاه الدولة نحو إنجاز تشريع تأخر كثيرًا يخص مسألة الإفصاح وتداول المعلومات، وهو قانون سيكون على المشرع تحديد عقوبات ملائمة على الموظفين العموميين غير الملتزمين به، واعتبارهم شركاء في الانتقاص من حقوق الطفل والمرأة إذا ما أدلوا بمعلومات غير صحيحة يطلبها القضاء لتحديد قيمة النفقات على سبيل المثال.

وهناك تقديرات أوليَّة لدخول أصحاب المهن الحرة يمكن للمشرع إلزامهم بقيمتها ومصادرها في وثيقة الزواج نفسها وقبل الشروع في صياغة عقد بناء أسرة، تكون هذه القيمة، على مسئولية الزوج المقر بها، مؤشرًا أوليًّا يسترشد به القاضي لاحتساب مقدار النفقات حال وقوع الطلاق، وهناك ضرورة تقتضي إنشاء صندوق خاص لتأمين الأسرة يسدد المتزوجون قيمة تأسيسية به عبر رسوم يحصلها موثق عقد الزواج، على أن تُصرف عوائده على المتعثرين في أداء النفقات بعد تحريات قضائية دقيقة عنهم، وليس أقل من منح الأم والصغار نفقة مؤقتة لهم منه حتى صدور أحكام قضائية تحدد قيمة النفقات الإلزامية المستحقة لهم على الأب، على ألَّا تقل عن حد الكفاف في كل الأحوال.

تبقى نوعية من النفقات الموسمية التي لا تحتاج دخول الأب والأم للمحاكم سنويًّا؛ وأبرزها نفقة الدراسة والتعليم، وهي مسألة يمكن إنجاز تصحيح تشريعي أولا لكارثة منح الطرف الحاضن الولاية التعليمية منفردًا، قبل أن نقترح إلزام الطرف المنفق القيام بسداد مصروفات الدراسة مباشرة للجهة التعليمية وجعل إدارتها خصمًا مباشرة له حال امتناعه مقتدرًا، على أن يحدد القاضي مستوى التعليم الممنوح للطفل عند الطلاق قبل أن يراجع والديه في الأمر، وينظر في مستواهما المادي والاجتماعي والعلمي، ويقضي بأسباب حكمه لمصلحة الصغير.

ومن المسلمات؛ ضرورة إبعاد منظومة "القضاء" عن نظام "الأداء" في مسائل النفقات، وبدلًا من إرهاق آباء ملتزمين وإهانة كبرياء أمهات محترمات بالتردد على ساحاتها المكتظة شهريًّا لسداد النفقات عبر المحضرين، وتعريض الأخيرين للخطر كموظفى دولة يحملون أموالًا يوميًّا بالآلاف إلى أطفال الشقاق والأمهات حتى محال إقامتهم، يمكن تحديد طريقة أداء للنفقات أكثر وجاهة ولياقة في منطوق الحكم بها، لتشمل بنوكًا متعددة يحددها الآباء والأمهات، أو مكاتب البريد أو عوائد شهادات الاستثمار والودائع أو الحسابات الادخارية، وهى طرق أداء داعمة لتوجهات الدولة نحو سياسات الشموى المالي، وهناك مقترح برلماني للنائبين محمد فؤاد وخالد أبو طالب لتنظيم ذلك وضرورة صدور كتاب دوري من وزير العدل أو مساعده لإقرار اعتراف القضاة بطريقة الدفع غير الورقية تلك.

الرجولة كلمة وموقف، لا تحتمل اتجارًا ذكوريًّا بها على حساب الأطفال الذين لا يحتملون أيضا اتجارًا نسويًّا بحضانتهم الأبدية التي يكرسها القانون الحالي غير المنصف للطفل والأم والأب، والأمومة حلم مثالي لا يتحقق دون الاعتراف بالأبوة وتعزيز مفهومها بعيدًا عن شطحات جندرية مقسمة للمجتمع ومدمرة لاستقراره.

وإن كانت القوامة للرجل مقترنة بالإنفاق، فالأمومة للمرأة مقترنة برجاحة عقلها وقدرتها على الفعل الإيجابي لمصلحة الصغير بعيدًا عن الشعار الجندري المستحدث "المكتسبات"، وفي كل الأحوال فإخراج السادة المحامين من معادلة حقوق الطفل أمام محاكم الأحوال الشخصية، وحل الدولة محلهم مدافعة عن الصغير، مكسب كبير للأسرة طالما لا حاجة لإرهاق أطرافها بأتعابهم، وهو رأي على المشرع الاستماع إليه، ولأهل "القضاء الواقف" مناقشته ورفضه، ولهم كل التقدير.