logo
محمود الغول .. لماذا خلق الله الصراع؟

محمود الغول .. لماذا خلق الله الصراع؟

تخيل معي أنك اشتريت تذكرة سينما لمشاهدة أحد أفلام نجمك المفضل، ثم أحضرت كوب فشار كبيرا وبعض المشروبات، وجلست على المقعد المريح تطالع أحداث الفيلم على الشاشة الكبيرة، والتي تبدأ بشاب أحب فتاة فتزوجها وأنجبا صبيان وبنات وعاشوا جميعا في تبات ونبات.. وتوتة توتة فرغت الحدوتة.

تخيلت؟ هتتخيل إن شاء الله..

اسمح لي هنا أن أمسك «الحديدة» وأسألك كمذيع ثقيل: حلوة ولا ملتوتة؟!

ربما أنا وكل الناس نعرف إجابتك عن هذا السؤال، فهي تشبه إجابتي وإجابة صديقك وأختك وعمتك وجاركم والرجل الواقف هناك.. قطعا لم يعجبك الفيلم، وربما خرجت قبل انتهاء العرض، ثم لعنت اليوم الأسود الذي أحببت فيه هذا النجم، ولو كنت من محبي السينما وتعرف أدوار صناع العمل فستصب لعناتك على المؤلف والمخرج وفريق العمل، ثم ماتت رابعة.

إذا ماذا ينقص هذا الفيلم ليكون ناجحا؟

دعنا نؤجل الإجابة قليلا..

يقول الموسيقي الأمريكي أوسكار هامر شترين: «إنني رجل سعيد لأني أعترف بأن الحياة قائمة على الصراع بين الخير والشر وأن في هذا العالم وجوه نقص كامنة فيه».

إنه الصراع يا عزيزي "أيبك"..

الصراع هو جوهر الحياة، بل يمكنك القول إنه قانون الله على الأرض، فمنذ خلق الحياة وهي تعتمد الصراع عملتها الرسمية.. الصراع هو الوسيلة الوحيدة للاختبار.

فلنعد لمهد الحكاية، حين خلق الله آدم ثم حواء و«التفاحة»..

جنة لا يمكن وصفها أو تصورها ولو بالخيال، يعيش فيها اثنان من البشر، يذهبان حيث شاءا ويأكلان ما شاءا.. «وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ».

هكذا بدأ الصراع وطرفاه:

- الاستمتاع بالجنة

- المعرفة

"آدم" يريد أن يعرف ما سر الشجرة وماذا إن أكل من ثمارها، ولأن الإنسان لم يكن قد اختبر بعد الكثير من المشاعر المختلفة مثل الفضول والرغبة في كشف الأسرار والتجريب، أصبح الصراع متكافئا.. فلو كانت كفتي الصراع غير متكافئتين لما كان هناك صراع من الأساس، لأنك ببساطة ستتجه للخيار «الكسبان».

ويمكن تلخيص فكرة تكافؤ طرفي الصراع بمثال بسيط، كأن ترى عملاقا مسلحا يواجه طفلا ضعيفا وأعزل.. الأمر لا يحتاج إلى كثير من التفكير، فالمعركة محسومة سلفا لصالح العملاق، إلا إذا حدثت معجزة وتغلب الطفل على خصمه، لكننا وقتها سنضيف عنصر المعجزة إلى كفة الطرف الثاني ليصبح طفلا بقدرات خاصة.

لنعد إلى فكرة الصراع وأنها جوهر الحياة، فبعدما نزل "آدم" و"حواء" إلى الأرض لتبدأ حياتهما عليها، تزايدت حدة الصراع وانتقلت لمساحات أخرى: ما بين البشر والطبيعة والظروف المحيطة.. هما يريدان بيت وطعام وماء و.. و.. ثم ينتقل لبعد آخر، وهو صراع الإنسان مع الإنسان، وليس هناك مثال أوضح من قصة "هابيل" و"قابيل"، التي انتهى فيها الرصاع بقتل الأخ أخاه.. كلاهما كان يرغب في أن يتزوج الفتاة نفسها.. أحدهما يملك الحق والثاني لديه الرغبة والطموح..

حتى مفهوم النعيم والجحيم، قائم على الصراع.. كيف؟

الطريق إلى النعيم محفوف بالمكاره، بينما الطريق إلى الجحيم محفوف بالشهوات التي يسيل لها لعاب ابن آدم..

ولو لم يكن ذلك، لكان الأمر محسوما لصالح النعيم حتى قبل أن يبدأ النزال بينهما.. تصور لو كانت الجنة محفوفة بالشهوات أكان أحدنا يتأخر عن السعي لها.. وإذا كان العكس، أقصد لو كان الجحيم محفوف بالمكاره، أكان أحدنا يخوض المكاره ليصل إلى الجحيم!

وهكذا تسير الدنيا منذ خلق الله الأرض ومن عليها، صراعات وصراعات لا تهدأ ولا تنتهي، كأنها أسطوانة كلما انتهت أعيد تشغيلها مرة أخرى ثم أخرى وأخرى..

وختاما، عش الصراع واستمتع يا صديقي، فالحياة دونه لعبة مملة تلعبها وحدك دون منافس.. فما اللذة التي ستجنيها من لعبة مملة في غياب خصم تتغلب عليه وتغيظه بأنشودة النصر!