اقتصاد

حين تفلس الشركة بسبب الاحتيال.. كيف يدفع صغار المساهمين الثمن وحدهم؟

يعتقد كثير من الناس أن الشركات العامة المدرجة بالبورصة مملوكة لمواطنين أفراد مثلهم يجنون أرباحها ويوجهون دفتها من خلال حيازاتهم من الأسهم العادية، ولكن ما لا يدركه الكثيرون هو أن المساهمين هم الجانب الأضعف في الهيكل القانوني للشركة العامة، وذلك لصالح فاعلين نافذين آخرين، مثل: مؤسسو الشركة ومديروها وأصحاب الأسهم الممتازة وحاملو السندات، وقبل كل هؤلاء أصحاب الديون المضمونة بأصول معينة.

وعلى الرغم من أن الجزء الأكبر من التمويل الخاص بالشركات العامة يأتي بشكل أساسي من جيوب المساهمين أصحاب الأسهم العادية إلا أنهم فعليا ليس لديهم أي تأثير على قرارات إدارة الشركة، فإذا قررت الإدارة مثلا الاستدانة بما يعادل 100% من أصولها، مما يضعها في وضع حرج قد تدمر على إثره ثروات المساهمين، لا يملك هؤلاء على أرض الواقع أي سلطة حقيقية تمكنهم من الحيلولة دون ذلك.

وربما لا يوجد ما يوضح تلك الحقيقة أفضل من حادثة إفلاس شركة الاتصالات الأميركية «جلوبال كروسينج» في أوائل 2002 بعد اكتشاف احتيالها على المساهمين من خلال تضخيم الإيرادات لتبدو على نحو أفضل مما هي عليه في الواقع، فبعد أشهر من تأسيسه لها في عام 1997 قام «جاري وينيك» بطرح «جلوبال كورسينج» للاكتتاب العام، ليبيع للمساهمين أسهما بواقع 19 دولارا للسهم الواحد.

الإيرادات في الأرض والسهم في السماء!

بحلول مايو 1999 ارتفع سهم «كورسينج» إلى 60 دولارا، قبل أن يتراجع إلى 20 دولارا في سبتمبر من نفس العام، ثم بدأ السهم في التعافي مجددا ليستقر أعلى 60 دولارا مرة أخرى في فبراير من عام 2000، ومع ظهور مشاكل الشركة تهاوى السهم ليصل سعره إلى 6 سنتات فقط قبل إفلاسها في بداية 2002.



تشير البيانات إلى أن الشركة حققت في الأعوام الثلاثة، 1998 و1999 و2000 خسائر قدرها 88 مليون دولار و112 مليون دولار و1.67 مليار دولار على الترتيب، ورغم أنه من الصعب فهم كيفية ارتفاع سهم الشركة بهذه الكيفية في حين أن نتائجها بهذا السوء إلا أن الفضل في جعل هذه المفارقة واقعا يعود لمؤسس الشركة ومديريها.

في تعليقها على إفلاس «جلوبال كورسينج» كتبت «الإيكونوميست» في مقال نشرته في 31 يناير 2001 العبارة التالية: «هناك درس واحد بارز يمكن استخلاصه من تلك الحادثة، كانت جلوبال كورسينج شركة ناشئة: راهن المصرفيون والمستثمرون بالمليارات على قدرتها على إزاحة الكبار في الصناعة، ولكن فشل الرهان».

في العبارة السابقة، حرص الكاتب على اختيار كلماته بعناية ليشير إلى أن إفلاس «كورسينج» لم يكن بوسع المصرفيين توقعه أو تجنبه، وهذا يعني أيضا أن المستثمرين (المساهمين العاديين تحديدا) والمصرفيين ومؤسس الشركة تعرضوا جميعا لنفس المخاطر وخسروا في النهاية أموالهم، ولكن مشكلة السردية السابقة هي تحريف للحقيقية، لأن ما خسره المساهمون في تلك الشركة دخل جيوب مؤسسيها والمصرفيين الاستثماريين.

الكل إلا المساهمون

قبل أسابيع من قيام «جلوبال كورسينج» بتقديم طلب لحمايتها للإفلاس حصل رئيسها التنفيذي «جون ليجري» على مكافأة لنفسه قدرها 10 ملايين دولار، بينما باع مؤسسها «وينيك» أسهمه فيها مقابل 734 مليون دولار، تبرع منها لاحقا بـ25 مليون دولار إلى موظفي الشركة الذين خسروا وظائفهم، بواقع ألفي دولار لكل موظف.

وكان للسياسيين الأميركيين حظ أيضا من «جلوبال كورسينج»، فمقابل محاضرة مدتها ساعة ألقاها على مسامع مديري الشركة في طوكيو، حصل الرئيس الأميركي الأسبق «جورج بوش الأب» على عدد من الأسهم بالشركة، بلغت قيمتها نحو 14 مليون دولار بعد طرح الشركة للاكتتاب العام.

نفس الأمر حدث مع حاكم ولاية فيرجينيا السابق «تيري ماك أوليف» والذي تم تعيينه من قبل «وينيك» كمستشار للشركة في أوائل عام 1997 قبل أن يشترى ما قيمته 100 ألف دولار من أسهمها في طرح خاص.

ولاحقا باع «أوليف» حيازاته في ذروة السعر السوقي للسهم مقابل 18 مليون دولار.

على الجهة الأخرى، خسر المساهمون من أصحاب الأسهم العادية كل سنت وضعوه في «جلوبال كورسينج» لتضيع أموالهم التي ربما لم يكسبوها إلا بشق الأنفس أمام عيونهم في لمح البصر، على وجه الدقة، خسر أصحاب الأسهم العادية حوالي 20 مليار دولار.

شركة جديدة.. مساهمون جدد

في مارس 2004 وافق «وينيك» وزملاؤه بالإدارة التنفيذية للشركة على أن يدفعوا بشكل مشترك ما مجموعه 325 مليون دولار من أجل تسوية دعوى جماعية رفعها المساهمون، اتهموا خلالها المؤسس والإدارة بالاحتيال عليهم، وكجزء من شروط التسوية لم يكن «وينيك» والمديرون التنفيذيون السابقون بالشركة مضطرين للاعتراف بارتكاب أي مخالفات.

كان نصيب «وينيك» من هذه الغرامة 55 مليون دولار، وهو ما يمثل أقل من 7% من الأموال التي حصل عليها حين باع حيازاته من سهم الشركة قبل انهيارها، ووفقا لمجلة «فوربس» كان «وينيك» واحدا من أسرع الأشخاص الذين استطاعوا تحقيق مليار دولار بعد تأسيس شركاتهم الناشئة، ولكنه أيضا كان واحدا من أسرع من خسفوا بشركاتهم الأرض.

وتجدر الإشارة إلى أنه بعد انهيارها في أوائل 2002، أعيدت هيكلة الشركة وفق الفصل الحادي عشر من قانون الإفلاس الأمريكي، لتخرج كشركة جديدة باعت أسهما عادية جديدة لمساهمين جدد، واستمرت الشركة الجديدة في العمل محققة أرباحا لمؤسسيها الأصليين وبنوكهم الاستثمارية، وفي العام 2011 بيعت لشركة «ليفل ثري» الأميركية مقابل 3 مليارات دولار.

يعيش «وينيك» حاليا في قصر «بيل إير» بكاليفورنيا، والذي تقدر قيمته بنحو ربع مليار دولار، كان «وينك» قد اشترى هذا القصر قبل عدة أشهر من قيام شركته المنكوبة «جلوبال كورسينج» بتقديم طلب لحمايتها من الإفلاس الذي أدى إلى محو 20 مليار دلار من ثروات المساهمين، حسب «أرقام».

وربما أفضل ما يختم به هذا التقرير هي العبارة الحاملة لدلالات كثيرة والتي جاءت على لسان الممثل الأميركي «داني ديفيتو» في فيلم «أموال الآخرين» المنتج عام 1991 والتي قال فيها: «أحب مالي أكثر من أي شيء يمكن شراؤه به.. ولكن ما أحبه أكثر من مالي هي أموال الآخرين».


الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock