أخبار عربيةالاخبار

فوق أنقاض الليطاني.. كيف نقرأ تفاصيل الدبلوماسية المتناقضة في لبنان؟

عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هدنة مفاجئة لوقف إطلاق النار في لبنان، بدأت أمس وتستمر لعشرة أيام لاحقة، لم يكن صمت القصف نتاج دبلوماسية تسعى لسلام يرغب فيه الجميع، بقدر ما هو تدشين لواقع جغرافي وديموغرافي قاسٍ فُرض بالحديد والنار. وهو توقف مؤقت لآلة الحرب على خط زلازل جيوسياسي بالغ التعقيد؛ حيث تتصادم هندسة التدمير الإسرائيلية التي عزلت الجنوب اللبناني فوق أنقاض جسور الليطاني، مع براجماتية أمريكية تُسابق الزمن لتبريد الجبهات وتفادي حرب إقليمية شاملة ترتبط خيوطها المعقدة مع إيران.

وبين الضغوط الدولية وما يفرضه الأمر الواقع ميدانيًا، تبرز هذه الهدنة الجديدة كاستراحة ملغمة، تطرح تساؤلًا جوهريًا يمس حياة مئات الآلاف من النازحين والعالقين: هل تؤسس هذه الأيام العشرة لترتيبات أمنية مستدامة، أم هي مجرد فاصل زمني يعيد ترتيب أوراق الصراع فوق الركام قبل الانفجار الكبير؟

لفهم جذور هذا التساؤل، يجب العودة للوراء قليلًا؛ إذ جاءت خطوة إعلان وقف إطلاق النار في الساحة اللبنانية بمثابة هزة سياسية استراتيجية للمراقبين، نظرًا للتصريحات الاستباقية التي صدرت عن دوائر صنع القرار في تل أبيب وواشنطن خلال الأسبوع الأول من شهر أبريل.

وقد سعت الحكومتان الأمريكية والإسرائيلية سابقًا إلى تكريس سردية إعلامية منهجية تؤكد خروج لبنان كليًا من أي تفاهمات مرتبطة بالهدنة الإيرانية الموازية.

وفي مقابل ذلك، استمرت إسرائيل في توجيه ضربات جوية وبرية قاسية استهدفت قيادات ميدانية ومراكز لوجستية، بينما ترافقت هذه العمليات مع تصريحات صلبة ومباشرة من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ترفض منح فصائل المقاومة اللبنانية أي فرصة لالتقاط الأنفاس أو إعادة ترتيب الصفوف.

وبناءً على ذلك، فإن تغيير الإدارة الأمريكية لموقفها بشكل جذري وإعلانها عن هدنة الأيام العشرة، يكشف حجم الضغوط الدبلوماسية غير المعلنة التي مورست في الغرف المغلقة، ويوضح فشل محاولات فصل مسار المواجهة اللبنانية عن المشهد الإقليمي الأوسع وتأثيراته المتشابكة التي تديرها طهران ببراجماتية عالية الجودة.

لماذا تراجعت الإدارة الأمريكية في لبنان؟

تفسيرًا لهذا الانقلاب في الموقف، يُرجع الباحث المتخصص في شؤون الأمن القومي وتناقضات القوة جون دي هذا التراجع الأمريكي المفاجئ إلى صلابة الدبلوماسية الإيرانية وقدرتها الفائقة على توظيف ساحات حلفائها كأوراق ضغط متبادلة ومؤثرة.

ويوضح، في مقال نشره عبر حسابه بـ”لينكد إن”، أن طهران اشترطت، عبر قنوات الوساطة المكثفة التي نشطت في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، إدراج الجبهة اللبنانية كبند أساسي وحيوي لضمان استمرار الهدوء المؤقت المبرم بينها وبين واشنطن.

وبناءً على هذا الإصرار، أدرك ترامب وفريقه المعاون في البيت الأبيض أن استمرار اشتعال الجبهة اللبنانية سيؤدي حتمًا إلى تقويض مساعي التهدئة الشاملة مع إيران، مما يهدد بانزلاق المنطقة سريعًا نحو حرب إقليمية واسعة النطاق تستنزف الموارد العسكرية الأمريكية وتؤثر سلبًا على أسواق الطاقة العالمية ومسار الحصار البحري.

ونتيجة لهذه الحسابات المعقدة، مارست واشنطن ضغوطًا هائلة على حكومة تل أبيب للقبول بصيغة الأيام العشرة، مفضلة احتواء الانفجار الإقليمي وتقديم تنازل سياسي مرحلي لصالح الاستقرار الذي يخدم مصالحها الاستراتيجية العليا.

آثار قصف في لبنان

إيران أدارت التصعيد وثبتت الأمر الواقع

في قراءة حصرية لتفكيك هذا المشهد المعقد، تؤكد إيرينا تسوكرمان، محامية الأمن القومي والخبيرة في السياسة الخارجية الأمريكية، أن هذه الهدنة تكشف قبول واشنطن بواقع استراتيجي أمضت طهران سنوات في بنائه.

وتوضح تسوكرمان، في تصريحات خاصة لـ “مصراوي”، أن الإدارة الأمريكية أدركت أن أي هدنة مع إيران ستكون بلا معنى عملياتي إذا استمر اشتعال الساحة اللبنانية، مشيرةً إلى أن وقف الغارات في بيروت هو اعتراف ضمني بالهندسة الإقليمية الإيرانية التي تجعل الضغط على جبهة واحدة يتردد صداه في النظام بأكمله.

وتضيف الخبيرة الأمريكية أن طهران حققت مكسبًا سياسيًا حقيقيًا بإثبات أن شبكتها الإقليمية لا تزال تمتلك قيمة تفاوضية رغم تعرضها لضرر بالغ، بينما اختارت واشنطن “إدارة التصعيد بدلًا من بلوغه الحد الأقصى”، مفضلة الاحتفاظ بالخناق البحري والمالي على إيران مقابل خفض درجة الحرارة في لبنان لمنع خروج الحرب الإقليمية عن السيطرة.

وعلى الصعيد الميداني، تنفي تسوكرمان أن تكون الهدنة مجرد قصة نجاح إيرانية، مؤكدةً لـ “مصراوي” أن الأثر العسكري العملي يصب بشدة لصالح إسرائيل.

وتشرح ذلك بالقول: “المنطقة العازلة لا تُؤمّن بمجرد إعلانها، بل يجب تنظيمها، ومراقبتها، وإمدادها، وتطبيعها تدريجيًا، وتوقف الضربات يوفر بالضبط الظروف المطلوبة لهذه العملية”.

وتلفت المحامية الأمريكية إلى أن إسرائيل تستغل هذا الفاصل الزمني لتحويل ساحة المعركة إلى هيكل أمني دائم، حيث تُستبدل حملات القصف المستمر بخلق حزام أمني محدد يصعب على المجتمع الدولي معارضته لاحقًا بنفس قوة معارضته للهجوم النشط.

أما فيما يخص الفصائل اللبنانية، فترى تسوكرمان أن التداعيات أكثر قسوة مما توحي به السردية الإيرانية؛ إذ فقد “حزب الله” حرية الحركة في الجنوب، وأصبح مطالبًا بالحفاظ على مظهر “المقاومة” في بيئة عملياتية باتت السيطرة الإسرائيلية فيها أكثر هيكلية وتنظيمًا.

وتخلص الخبيرة، في حديثها لـ “مصراوي”، إلى أن هذا الاتفاق غير مستقر ولا يحل جذور الصراع، بل يعيد توزيع الضغوط في منطقة لا تزال محكومة بـ “الترابط المسلح”، مشددةً على أن هذه الهدنة ليست تسوية حقيقية، بل هي مجرد “مساحة عملياتية مؤقتة وأداة لتثبيت الأمر الواقع داخل حرب لم تنتهِ بعد”، حيث تسعى إسرائيل لجعل حزامها الأمني يبدو طبيعيًا ودائمًا، بينما تكافح أمريكا لمنع اصطدام المسارات مع استمرار ضغطها الاقتصادي الخانق.

قائد الجيش الباكستاني يصل إلى إيران (3)

إيران لا ترى هدنة لبنان انتصارًا ولا تثق بترامب

في المقابل، ترفض إيران السردية القائلة بأنها تنظر لهذه الهدنة كنجاح خالص. يقول السفير الإيراني الأسبق في أذربيجان والدبلوماسي البارز أفشار سليماني، إن طهران “لا تثق إطلاقًا في تصريحات وسلوكيات ترامب ونتنياهو”، ويضيف في تصريحاته الخاصة لمصراوي، أن الألاعيب الإعلامية ليست أساسًا لصنع القرار الإيراني الذي يشترط وجود ضمانات حقيقية.

يقدم سليماني أيضًا روايته عن كواليس الساعات الماضية، فيقول إنه “رغم إرساء هدنة الأيام العشرة بضغط إيراني، ووساطة باكستانية، وطلب مباشر من ترامب، إلا أن الحكومة الصهيونية (إسرائيل) أعلنت عدم انسحابها من الأراضي اللبنانية، مما يثبت أن حكومة نتنياهو، بدعم من ترامب، تواصل السعي وراء مشروع (إسرائيل الكبرى)”.

وبناءً على ذلك، يجزم الدبلوماسي الإيراني بأن “هدنة الأيام العشرة لا تُمثل أبدًا انتصارًا استراتيجيًا لإيران أو لجبهة المقاومة”.

وحول تداعيات الحصار البحري الأمريكي المستمر، يلقي سليماني بورقة ضغط استراتيجية مضادة في حديثه لـ “مصراوي”، محذرًا من أن الآثار السلبية للحصار الاقتصادي، الذي يصر ترامب على فرضه، ستطال دولًا في مختلف أنحاء العالم، بما فيها حلفاء لواشنطن، مؤكدًا أن “التدابير المضادة الضرورية التي تتخذها إيران للاحتواء الجزئي لهذا الحصار والسيطرة على مضيق هرمز، قد تجبر ترامب في النهاية على التراجع عن حصاره أو تجاهله جزئيًا”.

فوق الليطاني.. لهذا قبلت إسرائيل بهدنة لبنان

على الجانب الآخر من المشهد، تتطلب قراءة الموقف الإسرائيلي بقبول الهدنة فحصًا دقيقًا للوقائع الميدانية الدامية التي سبقت دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ بدقائق معدودة.

وافقت حكومة نتنياهو على تعليق العمليات الجوية انطلاقًا من قناعتها الراسخة بتحقيق الجانب الأكبر والمفصلي من أهدافها التكتيكية في جنوب لبنان عبر تطبيق سياسة الأرض المحروقة.

وقد نفذ جيش الاحتلال استراتيجية تدمير هندسية ممنهجة استهدفت الجسور الاستراتيجية السبعة المقامة على نهر الليطاني، وعلى رأسها “جسر القاسمية” التاريخي الذي قُصف وسُوي بالأرض تمامًا.

وأسفرت هذه الحملة الجوية العنيفة عن خلق ما يوصف عسكريًا بمنطقة الإعدام المفتوحة، وعزلت جغرافيًا مساحات شاسعة من الأراضي اللبنانية الجنوبية عن عمقها الاستراتيجي والحيوي المرتبط بالعاصمة بيروت وباقي المحافظات.

وبالتالي، استغلت تل أبيب هذه العزلة الجغرافية لشل حركة الإمدادات العسكرية المتبادلة بالكامل، ومنع عودة مئات الآلاف من النازحين اللبنانيين المشردين إلى قراهم المدمرة، محققة واقعًا ديموغرافيًا وأمنيًا جديدًا يمنحها اليد العليا والتفوق الميداني الساحق قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات المرتقبة.

اقرأ أيضًا: تحت النار.. لماذا طلبت إسرائيل التفاوض مع لبنان في ذروة القصف؟

استراتيجية المرة الواحدة.. إعادة رسم الحدود

لوضع هذه التحركات في سياقها الأشمل، يتقاطع هذا النهج التدميري القاسي مع تحليلات استراتيجية عميقة نشرها الباحث العسكري والخبير الاستراتيجي عساف أوريون، بالتعاون مع زملائه في “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”.

يؤكد “أوريون” في ورقته البحثية المعنونة “المرة الواحدة والأخيرة” أن الحملة الإسرائيلية الحالية تتجاوز تمامًا مفهوم الردع التقليدي المعمول به في الحروب السابقة، وتؤسس لعقيدة عسكرية جديدة كليًا تهدف إلى رسم حدود أمنية صلبة خارج الحدود السياسية المعترف بها دوليًا.

ويضيف الباحث موضحًا أن القيادة العسكرية في تل أبيب تسعى جاهدة لتطبيق خطة استئصال جذرية، عبر تفريغ منطقة جنوب الليطاني من أي تواجد عسكري أو بشري قد يشكل تهديدًا مستقبليًا محتملًا لمستوطناتها الشمالية.

لقد تحول هذا الشريط الحدودي المحروق، وفقًا للتحليل، إلى ورقة مساومة رئيسية وثقيلة في يد المفاوض الإسرائيلي، يستخدمها لفرض واقع سياسي يجبر الدولة اللبنانية الضعيفة على تقديم تنازلات سيادية خطيرة تمس جوهر تركيبة القوى المسلحة وتوزيعها الجغرافي داخل أراضيها.

خريطة الليطاني

كيف يرى الديمقراطيون هدنة لبنان؟

ويرى نعمان أبو عيسى، عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي، أن موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الهدنة جاءت نتيجة فشل جيشه في القضاء على القدرات العسكرية لـ”حزب الله” رغم مرور أكثر من شهر على التصعيد.

ويوضح أبو عيسى، في تصريحاته لـ “مصراوي”، أن “حزب الله” لا يزال يحتفظ بفاعليته الميدانية، مشيرًا إلى استمرار إطلاق الصواريخ من شمال وجنوب نهر الليطاني، وتصدي الفصائل للقوات الإسرائيلية المتوغلة في الشريط الحدودي.

ويؤكد أن إعلان الهدنة جاء بأوامر مباشرة من الرئيس “ترامب”، الذي قاد مساومات مع الجانب الإيراني، مشيرًا إلى أن إسرائيل فشلت في فصل المسارين اللبناني والإيراني.

وبينما يقلل أبو عيسى من احتمالات صمود التهدئة، يرجح أن يعود نتنياهو إلى تصعيد عدوانه مستقبلًا، كونه اعتاد على انتهاك الاتفاقيات.

كما يلفت إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يتعمد إعاقة عودة النازحين اللبنانيين من خلال استهدافه الممنهج للجسور، سعيًا لتكريس احتلال الشريط الحدودي، رغم الخسائر التي يتكبدها يوميًا.

لماذا خطة إسرائيل تزيد قوة المقاومة؟

رغم هذه المكاسب التكتيكية لإسرائيل، يحذر باحثون أكاديميون وخبراء من التداعيات العكسية والخطيرة طويلة الأمد لهذه الاستراتيجية المفرطة في استخدام القوة التدميرية.

يؤكد الباحثان ريناد منصور ونيكول الخواجة، الخبيران في المعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس” البريطاني، أن تدمير البنية التحتية اللبنانية والعمليات العسكرية المستدامة تخلق بيئة حاضنة ومثالية للغضب الشعبي وتزيد من تعقيد المشهد المجتمعي الهش بطبيعته.

ومن هذا المنطلق، يتوقع الباحثان أن أي محاولة إسرائيلية لفرض احتلال بري أو تدمير ممنهج لمنطقة جنوب الليطاني ستصب في النهاية في صالح تقوية سردية المقاومة وتوسيع الحاضنة الشعبية لـ “حزب الله” على المدى الطويل، نظرًا لأن الجماعة المسلحة تعيد تكييف نفسها هيكليًا للعمل كحركة عصابات غير مركزية مستفيدة من حالة الفوضى.

ويخلص تحليل “تشاتام هاوس” إلى أن هذه العمليات العسكرية المستدامة تخلق حالة من الفراغ المؤسسي والأزمات الإنسانية المتفاقمة التي تزيد من إضعاف مؤسسات الدولة اللبنانية وتفوق قدرتها على احتوائها، مما يجعل الترتيبات العسكرية الإسرائيلية القسرية والهدن المؤقتة مجرد فواصل زمنية تمنح فصائل المقاومة الفرصة لإعادة بناء قدراتها العسكرية واستعادة الدعم الشعبي لجولات قتال أكثر شراسة.

ما الذي تريده لبنان الآن؟

في غمرة هذه الفوضى، أفرزت الأزمة الوجودية والطاحنة الراهنة حراكًا سياسيًا غير مسبوق داخل أروقة المؤسسات الرسمية اللبنانية، التي تحاول استعادة سيادتها المصادرة وسط الركام والدخان.

وقاد رئيس الحكومة نواف سلام، بالتنسيق الوثيق والمباشر مع الرئيس جوزيف عون، جهودًا دبلوماسية مكثفة لتحويل الهدنة المؤقتة إلى فرصة تاريخية تعيد الاعتبار لقرار الدولة المركزي والوحيد في قضايا السلم والحرب والتفاوض.

وأجرى عون اتصالًا هاتفيًا محوريًا مع ترامب، في خطوة كسرت الجليد المتراكم وأسست لمحادثات مباشرة واستثنائية بين مسؤولين لبنانيين رفيعي المستوى وممثلين عن دوائر صنع القرار الإسرائيلية برعاية أمريكية خالصة استضافتها العاصمة واشنطن.

تهدف بيروت من خلال هذا المسار الشائك والمحفوف بالمخاطر إلى قطع الطريق الدبلوماسي أمام التدخلات الخارجية التي تتخذ من الأراضي اللبنانية ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وتطمح لإنتاج تسوية مستدامة تضمن نشر قوات الجيش اللبناني حصريًا في المناطق الحدودية الملتهبة، لحماية ما تبقى من سيادة وطنية مستباحة.

حزب الله يعلن استهداف بارجة إسرائيلية

حزب الله.. من يستطيع تجريدهم من سلاحهم؟

ومع ذلك، تصطدم الطموحات اللبنانية الرسمية بعقبات هيكلية وسياسية عميقة تجعل من تطبيق القرارات الدولية وتجريد الفصائل من السلاح في الوقت الراهن مهمة محفوفة بالمخاطر.

يشير الباحث بلال صعب، المسؤول السابق بالبنتاجون والزميل البارز في معهد “تشاتام هاوس”، إلى خطورة “سوء التقدير الهائل” في التعامل مع التوازنات الدقيقة في لبنان والمنطقة، موضحًا أن أي فرض أمني قسري أو تدخل خارجي مفرط سيقود إلى “عواقب كارثية” تتجاوز قدرة المؤسسات الهشة على احتوائها.

إذ يتطلب هذا إنجاز خطوة استراتيجية كحصر السلاح توافقًا وطنيًا يحمي السلم الأهلي اللبناني، ويتجنب الانزلاق السريع نحو صراعات داخلية طاحنة.

وهو ما يفسر الحزم الذي أبداه رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في الأول من مارس الماضي، حين اتخذ قرارًا غير مسبوق بـ “الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية كافة باعتبارها خارجة عن القانون، وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة”، مشددًا على ضرورة حصر هذا السلاح بيد المؤسسات الشرعية وقوى الدولة الذاتية المتمثلة في الجيش اللبناني حصرًا، لضمان عدم جر لبنان إلى “مغامرة أو حرب جديدة”.

لذلك، يحاول المفاوض اللبناني الرسمي المناورة بذكاء في مساحة ضيقة للغاية، محتكمًا إلى الدعم الدبلوماسي الدولي لتمكين الجيش اللبناني من استكمال المرحلتين الأولى والثانية من خطته لتفكيك البنية العسكرية جنوب وشمال نهر الليطاني.

وتسعى بيروت من خلال هذا الحزم المدعوم دوليًا إلى تجنب تقديم تعهدات أمنية أحادية لإسرائيل، مانعةً إياها من الحصول على “هامش حركة ميداني” داخل الأراضي اللبنانية، وهي المناورة التي تهدف لحماية التركيبة السياسية التوافقية ومنع انهيار مؤسسات الدولة التي بالكاد تتماسك أمام العواصف المتتالية.

ما يعنيه اختبار الأيام العشرة؟

تنقضي ساعات هذه الهدنة الأمريكية المؤقتة المفروضة على إسرائيل، وهي تحمل في طياتها اختبارًا قاسيًا لمدى قدرة الدبلوماسية الدولية على ترويض آلة الحرب وإنهاء حالة الاستنزاف المتبادل المفتوحة على كل الاحتمالات.

ولا تقتصر المعضلة الآن على مراقبة الخروقات الميدانية العابرة، بل تمتد إلى القدرة على تفكيك العقد المستعصية التي تكبل الدولة اللبنانية، وتمنعها من فرض سيادتها الكاملة في ظل استقطاب داخلي حاد وانهيار مؤسسي واقتصادي خانق.

إذ تؤكد المعطيات الاستراتيجية أن الاعتماد الحصري على تدمير البنية التحتية والمقاربات الأمنية الأحادية، بمعزل عن مسار سياسي يعالج الجذور العميقة للأزمة، لن ينتج سوى فواصل زمنية هشة وحاضنة شعبية غاضبة تؤسس لجولات قتال أكثر شراسة في المستقبل.

واليوم، يقف الشرق الأوسط فوق أنقاض الليطاني، منتظرًا حسم الوجهة؛ فإما تحويل هذا الركام إلى حجر أساس لتسوية تاريخية تحمي سيادة الدول، أو تبديد النافذة الزمنية الضيقة والانزلاق مجددًا نحو صراع عبثي يحرق ما تبقى من استقرار إقليمي.

المصدر: مصراوي


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock